*الإفطار في حضرة الحاجة (منتهى الحبشية) ( 1)*
إثيوبيا بلد في غاية الجمال والروعة وصفها يحتاج لغة رفيعة واسلوب شاعري وأهلها طيبون أُكارم يعيشون في وئامٍ وتسامح .. هذا ما أحسسته بصدق و أنا في العاصمة أديس أبابا .. فقد زرت الكنائس كما زرت المساجد .. ولمست عن قرب تدين الناس واحترامهم العميق لمقدساتهم .. وفي تلك اللحظات تجسدت في دواخلي معانٍ من آيات القرآن الكريم في خواتيم السور مثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، وكذلك ما جاء في ختام سورة الكهف:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
ومن هنا ترسخت لدي قناعة بسيطة لكنها عميقة أن احترام أديان الآخرين أمر طبيعي ما داموا يحترمون ديني ومعتقدي .. فالإنسانية قبل كل شيء تقوم على الاحترام المتبادل ..
وإن كان للحروب على قسوتها وآلامها بعض الفوائد غير المتوقعة فإن من أعظم تلك الفوائد أنها عرفتنا بالآخرين الذين لم نكن نعرفهم و فتحت لنا أبواباً للعلم والمعرفة والمعايشة لم تكن لتتاح لو لا هذه الظروف .. بل لعلها فتحت لنا باباً آخر أكثر أهمية هو باب معرفة أنفسنا أولًا .. ثم باب المقارنة والمقاربة والاحتكاك والتعايش مع كثير من الشعوب العربية والأفريقية والاسلامية ..
أما بالنسبة لي فقد كان شهر رمضان هذا العام مختلفاً بصورة كبيرة جداً فمنذ إصابتي بالجلطات الدماغية لم أتمكن من صيام رمضان بسبب المرض .. و بعد الحرب انتقلنا إلى دولة الإمارات (حفظها الله واهلها من كل الشرور) و أدركت هناك رمضانين .. حاولت الصيام فيهما لكنني لم أستطع أن أكمل أكثر من عشرة أيام في كل مرة ..
لكن سبحان الله هذا العام عندما وصلت إلى أرض الحبشة و نويت الصيام وجدت نفسي قادراً على المواصلة .. والحمد لله الآن تجاوزت نصف أيام الشهر وأنا صائم .. و قد عمّق ذلك في داخلي إحساساً خاصاً بأن هذه البلاد مباركة وطيبة .. فهي أرض صدر الإسلام .. وأرض الهجرة الأولى التي قال عنها رسول الله صل الله عليه وسلم حين أشار إلى ملكها النجاشي (إن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد) و ها انا الأن بين احفاده من المسلمين .. و العجيب أن رسول الله صل الله عليه وسلم لم يزرها قط .. فكيف عرف ذلك؟؟ يبدو والله أعلم أنه وحي من الله… وقد صدق رسول الله صل الله عليه وسلم
واللافت أيضاً أن العاصمة أديس أبابا تضم عدداً كبيراً من المساجد يزيد على الثلاثمائة مسجد رغم أن غالبية سكانها من المسيحيين بينما المسلمين تقريباً يمثلون ثلث السكان و مع ذلك يؤدي المسلمون شعائرهم في أمن وسلام جنباً إلى جنب مع إخوانهم المسيحيين، في مشهد من التعايش الذي يستحق التأمل ….
اليوم كنا مدعوين إلى طعام الإفطار عند الحاجة *(منتهى أول شرف)* و أول ما لفت انتباهي اسمها الجميل (مُنتهى) فما إن سمعته حتى قفز إلى ذهني مباشرة صوت الفنان كمال ترباس وهو يشدو بأغنيته الجميلة (أمي الله يسلمك) تلك الأغنية الرقيقة التي كتب كلماتها الشاعر المرهف التجاني حاج موسى لوالدته وفيها يقول:
*يا منتهى الريد ومبتداه*
*و يا اللي الله يسلمك…*
وهنا توقفت لحظة… بين الاسم والذكرى… بين الأغنية والمعنى
وحقيقة لم تعد إثيوبيا بالنسبة لي مجرد بلد مررت به بل صارت ذكرى مقيمة في القلب
ونعود..
محمد طلب
5/3/2026
mtalab437@gmail.com