(برزخُ الروح) / اميمة عثمان
بقلم : د. اميمة عثمان
ومضةٌ على حافّة المعنى وإيقاع الحنين
أُدركُ أنّ بين الصمتِ والسُّكوتِ برزخًا لا يُرى؛
برزخًا دقيقًا كوترٍ في عودٍ عتيق:
إن شددتَه أكثر انقطع،
وإن أرخيتَه ضاع اللحن.
الصمتُ موقفٌ تُشيِّده الروحُ كما تُشيَّد القبابُ على نيّة الخشوع،
والسُّكوتُ قيدٌ تُحكمهُ يدُ الخوفِ على فمِ الحقيقة.
لم أختر صمتي هروبًا،
ولا أُملي عليَّ السكوتُ انكسارًا؛
إنما آثرتُ أن أُصغي لِما يتخلّق في داخلي
قبل أن يُولد على شفتيّ.
فالكلماتُ إن لم تُصقَل بحرارة التأمّل
خرجت باردةً كجمرٍ
لم تمسسه نارُ اليقين.
وحين يطول المساء،
يتسرّب من شقوق القلب عتابٌ خفيض،
يشبه همسة
كلمني ياحلو العيون
ذلك العتابُ الشفيف الذي لا يخاصم
ولا يبرّئ،
بل يضع الحيرةَ على كتف الشوق
ويمضي.
حيرني صمتك يا حنون؛
حيرةٌ لا تُدين،
ولا تُبرّئ،
لكنها تُجلس الشوق إلى جوار الانتظار
وتُصغي.
تأخذنا تلك الأفكار إلى صورٍ بائسة،
وقد تُودي بنا إلى نهاياتٍ
لا نعرف كيف بلغناها
ولا لِمَ سلكنا دربها.
ثم نعود—كمن أفاق من دوّامة—
لنُكمل الحكاية،
نفكّ حروف الفراق،
ونحاول إعادة ترتيب المعنى
بعد أن بعثره الرحيل غير المُعلن.
نفسٌ معلّقةٌ بأحلامٍ
هي إلى الوهم أقربُ منها إلى الحقيقة؛
لأن طريقها التفكير،
والتفكير—حين ينفلت من ضوابطه—
يصنع متاهته الخاصة،
ويُقنعنا أن الدوران حركة،
وأن الألم دليل حياة.
غير أن الحياة ليست كلّها وجعًا،
ولا كلُّ حركةٍ تقدُّمًا.
فثمّة سكونٌ يُنقذ،
وصمتٌ يرمّم ما هدمته الضوضاء.
بين طقطقةِ المسبحةِ
ورغوةِ السكون
تتماوجُ لحظةٌ شفيفة؛
لا يُسمع فيها التسبيح،
لكنّه يُرى…
يرتجفُ في الأحداق كوميض نجمةٍ بعيدة،
ويستقرُّ في القلب
كيقينٍ لا يحتاجُ إلى صوت.
هكذا يكون الصمتُ صلاةً أخرى؛
تُقام بلا محرابٍ من حجر،
ولا يؤذّن لها سوى نبضٍ
يعرف الطريق.
د. اميمه