إهدار العقول في زمن الأزمات: لماذا تجاهلت ولاية النيل الأبيض خبرات الدكتور إسماعيل الناير؟”*

*”إهدار العقول في زمن الأزمات: لماذا تجاهلت ولاية النيل الأبيض خبرات الدكتور إسماعيل الناير؟”*

*الهادي قرن*

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتضاعف فيه التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، يصبح وجود الخبراء الاستراتيجيين ضرورة لا رفاهية. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الدكتور إسماعيل الناير، الخبير الاستراتيجي والأمني الذي جمع بين العلم العميق والتجربة العملية، وحمل على عاتقه مسؤولية التفكير في مستقبل الوطن. ومع ذلك، فإن ولاية النيل الأبيض، التي استضافته لسنوات، لم تستفد من إمكانياته ولم تمنحه الموقع الذي يستحقه، لتتكرر بذلك مأساة إهدار العقول السودانية في الداخل.

الدكتور إسماعيل الناير ليس مجرد أكاديمي تقليدي، بل هو شخصية متعددة الأبعاد:
– حاصل على أكثر من درجة دكتوراه، إحداها في الملكية الفكرية والأخرى في الدراسات الاستراتيجية.
– يجيد اللغتين العربية والإنجليزية بطلاقة، ما يجعله قادرًا على التواصل مع دوائر بحثية وسياسية عالمية.
– خبرته الأمنية والاستراتيجية تؤهله لتقديم حلول عملية في أوقات الأزمات، خاصة في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.

تجربة في ولاية النيل الأبيض
مكث الدكتور الناير في ولاية النيل الأبيض أكثر من ثلاث سنوات، وهي فترة كافية لتوظيف خبراته في بناء مؤسسات قوية أو صياغة سياسات استراتيجية. لكن الواقع كان مختلفًا:
– لم يُمنح أي موقع رسمي يتيح له التأثير في صناعة القرار.
– لم تُنشأ منصات أو مجالس استشارية تستفيد من خبراته.
– ظل وجوده في الولاية أقرب إلى “الظل”، بعيدًا عن دائرة الفعل والتأثير.

ما حدث مع الدكتور الناير ليس حالة فردية، بل هو جزء من ظاهرة أوسع: هجرة العقول والكفاءات بسبب التهميش وعدم الاعتراف. فقد غادر من قبل شخصيات بارزة مثل:
– الدكتور إسماعيل المتعافي، والي الخرطوم ووزير الزراعة والصناعة الأسبق.
– الدكتور عبدالباقي الجيلاني، وزير المعادن الأسبق.

هذه الأسماء وغيرها تمثل خسارة فادحة للبلاد، حيث لم تجد البيئة المناسبة لتوظيف خبراتها، فاختارت الرحيل.

إهمال الكفاءات لا ينعكس فقط على الأفراد، بل على مستقبل الولايات والدولة ككل:
– ضعف المؤسسات: غياب الخبراء يؤدي إلى قرارات مرتجلة غير مبنية على دراسات علمية.
– هجرة العقول: استمرار التهميش يدفع الكفاءات إلى مغادرة البلاد أو الانزواء بعيدًا عن الفعل العام.
– فقدان الفرص: في زمن الأزمات، تحتاج الولايات إلى خبراء قادرين على صياغة استراتيجيات للتنمية والأمن، وإهدار هذه الفرصة يضاعف الأزمات.

إن مغادرة الدكتور إسماعيل الناير ستكون خسارة لا تُعوض، والندم بعد رحيله لن يجدي. لذلك، من الضروري أن تتحرك ولاية النيل الأبيض بسرعة لإدماجه في مواقع القرار، عبر:
– إنشاء مجلس استشاري استراتيجي يضم خبراء مثل الدكتور الناير.
– تكليفه بمهام تتعلق بالتخطيط الأمني والاستراتيجي للولاية.
– إشراكه في برامج تدريبية لبناء قدرات الشباب والكوادر المحلية.

القضية لا تخص ولاية النيل الأبيض وحدها، بل هي قضية وطنية. السودان يحتاج إلى عقل استراتيجي مثل الدكتور الناير في هذه المرحلة الحرجة، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع الاقتصادية والسياسية. تجاهل هذه الكفاءات يعني ترك الساحة فارغة أمام الارتجال والعشوائية.

إن قصة الدكتور إسماعيل الناير في ولاية النيل الأبيض تمثل مرآة لواقع مؤلم: العقول السودانية تُهمل وتُهمش، بينما البلاد في أمسّ الحاجة إليها. إذا لم يتم تدارك الأمر سريعًا، فإن رحيله سيكون خسارة مضاعفة، ليس للولاية وحدها بل للسودان بأكمله.

إن إدماج الكفاءات في مواقع القرار ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية. فالأمم لا تنهض إلا بعقولها، وإذا استمرت سياسة التهميش، فإننا سنظل نكرر ذات الأخطاء ونندم حيث لا ينفع الندم.