وجع الغربة… معاناة السودانيين في مصر بين الخوف والحنين ومعركة البقاء/ بقلم أمنية التهامي

وجع الغربة… معاناة السودانيين في مصر بين الخوف والحنين ومعركة البقاء

أمنية التهامي
في هذه الأيام القاسية، يعيش آلاف السودانيين في مصر واقعاً مؤلماً لا يشبه أحلامهم التي حملوها معهم وهم يفرّون من ويلات الحرب. خرجوا من وطنهم بحثاً عن الأمان، فوجدوا أنفسهم في مواجهة غربةٍ مضاعفة، وقلقٍ لا يفارقهم، وخوفٍ دائم من المجهول.
تحوّلت حياة كثيرين إلى معركة يومية من أجل البقاء، وسط حملات الكشّات، والملاحقات، والطرد، والاعتقالات المفاجئة. يُوقَف البعض في الشوارع، ويُقتاد آخرون من مساكنهم دون إنذار، فقط لأن أوراقهم ناقصة أو ظروفهم لا تسمح لهم بتصحيح أوضاعهم. لم يعد البيت مأوى آمناً، ولا الشارع مكاناً مطمئناً، فأصبح السوداني يعيش وهو يترقّب كل خطوة، وكل صوت، وكل طَرقٍ على الباب.
العائلات تعاني في صمتٍ موجع. أمهات يرتجفن خوفاً على أبنائهن من الاعتقال أو الترحيل، وآباء يشعرون بالعجز وهم يرون أسرهم مهددة في كل لحظة. أطفال كبروا قبل أوانهم، يحملون في عيونهم أسئلة لا إجابة لها: إلى أين نمضي؟ وأين سننام غداً؟
يعمل كثيرون في ظروف قاسية وبأجور زهيدة، فقط ليؤمّنوا لقمة العيش، وهم يعلمون أن تعبهم قد يضيع في لحظة اعتقال أو قرار طرد. يعيشون بين خوف فقدان الرزق، وخوف فقدان الاستقرار، وخوف العودة القسرية إلى وطنٍ ما زالت تحاصره الحرب.
يزداد الألم حين يُجبر البعض على العودة إلى السودان رغم المخاطر، فيجد نفسه بين نار الغربة ونار الوطن الجريح. يختارون البقاء وهم مهددون، أو العودة وهم خائفون، وفي الحالتين يدفعون ثمن حربٍ لم يشعلوها، وواقعٍ لم يختاروه.
ورغم كل هذا الوجع، ما زال السودانيون في مصر صامدين. يتقاسمون الخبز والألم، يواسون بعضهم في الشدائد، ويتمسكون بكرامتهم وإنسانيتهم. لم تنكسر أرواحهم، ولم تنطفئ أحلامهم، رغم القهر والتشريد.
إن معاناة السودانيين في الغربة اليوم ليست مجرد لجوء أو نزوح، بل قصة شعب يخوض معركة من أجل البقاء، يحمل وطنه في قلبه، ويمضي مثقلاً بالأوجاع، منتظراً يوماً يعود فيه السودان آمناً، وتعود معه الحياة بلا خوف ولا اعتقال ولا طرد، بل بكرامة وسلام.