وما أدراك ما النانو (8 من 10) من الذرّة إلى الإنسان… أخلاق العلم وحدود القوة

بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

وما أدراك ما النانو (8 من 10) من الذرّة إلى الإنسان… أخلاق العلم وحدود القوة

كلّما تقدّم العلم خطوةً في فهم الكون، ازداد الإنسان قدرةً على التعامل مع أدقّ بنياته، حتى صار اليوم يتعامل مع الذرّة والجين والخلية كما يتعامل البنّاء مع اللبنات. ومع ذلك، كلّما ازداد علمًا، ازداد اقترابًا من السؤال الأعمق الذي لا تحسمه المعادلات ولا المختبرات: هل كلّ ما يمكن فعله يجب أن يُفعل؟
إنّ علم النانو، بقدر ما يفتح من آفاقٍ مدهشة، يثير في الوقت نفسه قضايا أخلاقيةً وإنسانيةً بالغة الحساسية. فحين يصبح الإنسان قادرًا على تصنيع موادٍّ لا توجد في الطبيعة، وتغيير خصائص الأجسام والخلايا، بل التأثير في أدقّ مستويات المادة والحياة، لا تعود المسألة علمًا فحسب، بل مسؤوليةً وجودية.
لقد بدأ النقاش العالمي حول أخلاقيات النانو منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، حين أدرك العلماء والمفكرون أن هذا الحقل لا يشبه ما سبقه من تقنيات، لأنه يتعامل مع البنية الأساسية للمادة في تداخل مباشر مع الحياة نفسها. فالتكنولوجيا النانوية يمكن أن تُستخدم للشفاء كما يمكن أن تُستخدم للدمار، ولتحسين جودة الحياة كما قد تُستغلّ في المراقبة والسيطرة والتجسّس وإخضاع الإنسان لإرادة غيره. إنها أداة فائقة القوة، والعقل الإنساني هو وحده من يحدّد وجهتها.
في الميدان العسكري، تُستخدم الجسيمات النانوية لتطوير أسلحةٍ أخفّ وزنًا وأشدّ فتكًا، وفي مجالات المراقبة يمكن تصنيع أجهزةٍ نانويةٍ دقيقة لا تُرى بالعين، تتسلّل إلى الجسد أو البيئة لجمع البيانات. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الحاسم: أين تنتهي حرية البحث العلمي، وأين تبدأ مسؤولية الإنسان عن آثار ما يصنعه؟
وحتى في ميدان الطب، الذي يبدو فيه النانو أداة رحمة خالصة، تبرز تحديات أخلاقية معقّدة. فهل يجوز استخدام التقنيات النانوية للتأثير في الخلايا البشرية على نحوٍ قد يفتح الباب لتغييرات عميقة في وظائفها؟ وهل يصبح من حق الإنسان إعادة تشكيل ذاته بيولوجيًا دون ضوابط؟ وماذا لو قاد ذلك إلى تمييزٍ جديد بين من يملك التقنية ومن يُحرم منها، لا على أساس الجهد أو المعرفة، بل على أساس القدرة المادية وحدها؟
كلّ ذلك يعيدنا إلى أصل المسألة: أن العلم بلا ضوابط أخلاقية قد يتحوّل إلى قوةٍ عمياء، وأن التقدّم الحقيقي لا يُقاس بعدد الأدوات التي نملكها، بل بقدرتنا على توجيهها توجيهًا رشيدًا. فالتقنية، مهما بلغت من الدقة، تظلّ وسيلة، وقيم المجتمع هي التي تمنحها معناها أو تفرغها منه.
ومن لطيف الإشارات أن القرآن الكريم حين ذكر العلم قال:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾،
ثم لم يترك هذا العلم بلا غاية، بل قرنه مباشرةً بمفهوم الاستخلاف، إذ قال سبحانه:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
فالإنسان، في هذا التصوّر، لم يُمنح المعرفة ليُفسد بها، ولا ليستعرض بها القوة، بل ليعمر الأرض بالخير، ويقيم التوازن، ويُحسن الصنعة، ويجعل العلم أداة إصلاح لا وسيلة طغيان.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى علم النانو في أسمى صوره بوصفه أداة للاستخلاف الرشيد، تُسخَّر لخدمة الإنسان، وتحسين حياته، وحماية بيئته، لا لإخضاعه أو تحويله إلى موضوع للتجربة أو السيطرة.
غير أن هذا التصور الأخلاقي يضع حدًّا فاصلًا بين الإصلاح والعبث، وبين التطوير المشروع والتغيير المنفلت. وهنا تأتي الإشارة القرآنية الحاسمة التي تُنذر من تجاوز هذا الحد، حين حكى الله قولَ إبليس:
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
فليس كل تغيير تقدّمًا، ولا كل تدخّل تحسينًا، وإنما المعيار هو: هل يخدم هذا التغيير الإنسان والميزان العام، أم يعبث به ويُخرجه عن مقصده؟
وفي عالمٍ مضطربٍ كعالمنا، تزداد الحاجة إلى توازنٍ عقليٍّ وأخلاقيٍّ يضبط مسار العلم، ليبقى في خدمة الإنسان لا العكس. فالتكنولوجيا، مهما عظمت، إن لم تُسخَّر للخير، انقلبت شرًّا، وإن لم تُضبط بالقيم تحوّلت من وسيلةٍ إلى عبوديةٍ جديدة.
أما في السودان، فإن دخول ميدان النانو لا ينبغي أن يكون مجرد استيرادٍ للتقنية أو تقليدٍ لتجارب الآخرين، بل تأسيسًا لرؤيةٍ علميةٍ وطنيةٍ واضحة، تُحدّد هدف البحث ومجاله، وتوازن بين حرية الابتكار والمسؤولية المجتمعية. فنهضتنا العلمية، إن أردنا لها الاستدامة، يجب أن تقوم على وعيٍ نقديٍّ يجمع بين الطموح العلمي والبصيرة الإنسانية.
إنّ ما نشهده اليوم من ثورةٍ نانوية ليس إلا تذكيرًا بأن التقدّم الحقيقي لا يُقاس بمدى اختراقنا للمادة، بل بمدى نضجنا في استخدام القوة التي نمتلكها. فالعلم الذي ينفصل عن القيم لا يصنع حضارة، والقوة التي لا تُضبط بالمسؤولية لا تبني مستقبلًا.
ومن الذرّة إلى الإنسان، ومن المختبر إلى المجتمع، تمتدّ رحلة النانو شاهدةً على حقيقة واحدة:
أن العلم بلا وعيٍ أخلاقيٍّ لا يصنع نهضة،
وأن التقدّم بلا قيمٍ لا يصمد،
وأن الإتقان الحقّ هو ذاك الذي يجمع بين المعرفة، والمسؤولية، وخدمة الإنسان.