لا تظلموا قطاع الكهرباء.. الأصابع الخفية هي الأزمة المالية والتدخلات الفوقية

​لا تظلموا قطاع الكهرباء.. الواقع أكبر من مجرد “مؤامرة”

بقلم : محيي الدين شجر

​يُسارع الكثيرون، عند كل قطوعات أو أزمة في الإمداد الكهربائي، إلى إطلاق الاتهامات وتخيل وجود “أصابع خفية” تعبث بهذا القطاع الحيوي. لكن الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن “المؤامرة” الحقيقية ليست سياسية أو غامضة، بل هي أزمة إمكانيات وتمويل غائب؛ فالشركة القابضة تعاني من شلل شبه تام، ولا تجد التجاوب أو التعاون المطلوب من وزارة المالية، في وقت تعرض فيه القطاع لتدمير بنيوي شامل.

​القصة ببساطة هي قصة شحّ في الموارد والأموال، والتزامات معقدة وتحديات ميدانية ضخمة. فالكهرباء ليست مفتاحاً نضغط عليه فيضيء المكان، بل هي منظومة معقدة تشمل:

  • ​مولدات ومحطات توليد تتطلب صيانة دورية مكلفة.
  • ​وقوداً وتدفقات مالية مستمرة لتأمينه.
  • ​شبكات نقل وتوزيع ومحولات وقطع غيار بآلاف العناصر.

​وبدلاً من التركيز الكامل على إصلاح هذه الأعطال الجسيمة، ذهب التركيز الحكومي نحو مسارات أخرى، كأولويات إصلاح الخرطوم واستئجارات بآلاف الدولارات، بينما يصارع مهندسو وعمال وإدارات الكهرباء في الميدان ظروفاً قاسية للغاية لضمان استمرار الخدمة بالمستطاع.

​التزامات خارج الإرادة واستنزاف الموارد

​لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن القرارات السياسية والضغوط الإدارية التي فُرضت على إدارة الكهرباء. فقد أُجبر القطاع على إدخال الشركة الوطنية في ملف كهرباء “كلاناييب”، بعد وعدٍ منها بتوفير التمويل وبقدرتها على إقناع البنك الإفريقي بالموافقة على تمويل إضافي، على الرغم من أن البنك يطلب الحكومة السودانية بمبالغ تصل إلى 450 مليون دولار.

​وفي خطوة أخرى تزيد من الأعباء المباشرة على خزينة الدولة، تُرسى العطاءات مجدداً على شركة نواوي رغم عدم ملكيتها للبارجة البنغلاديشية، مما يفرض تكاليف إضافية كان من الممكن تفاديها.

​إن الفوائد والمكاسب التي تعود على هذه الشركات كان من الأولى أن تُوجّه لمعالجة أعطال سد مروي؛ هذا الصرح الحيوي الذي تعرض لضرارٍ بليغ وجسيم جراء اعتداءات المليشيا. فكيف نلوم إدارة الكهرباء بعد كل هذا؟ إنها كمن أُلقي في الماء مَكتوفاً وقيل له: “إياك إياك أن تبتل بالماء!”

​من الفسيخ شربات: جهود ميدانية وسط الركام

​من يزر سد مروي يقف بنفسه على الحقيقة بدون تجميل. لقد زرت السد ورأيت بأم العين تلك الجهود الاستثنائية التي تبذلها الكوادر الوطنية لتصنع “من الفسيخ شربات”، وتستعيد كفاءة التوليد رغم شح الإمكانيات والتدمير الحاد.

​ولا تتوقف هذه الملحمة عند سد مروي؛ بل تمتد إلى العمل الجبار في:

محطتي قري 1 وقري 2: وإعادتهما إلى الخدمة بكفاءة تشغيلية في ظروف معقدة.

إعادة بناء الشبكات: استبدال وإصلاح الآلاف من الأسلاك، المحولات، وقطع الغيار التي دمرتها المليشيا عمداً في مختلف المناطق.

خلاصة القول:

إن القول بأن هنالك “أيادي خفية تعبث بالكهرباء” هو قراءة سطحية تتجاهل حجم التدمير المادي والضغط المالي والقرارات الفوقية المسكوبة على القطاع. عمال ومهندسو الكهرباء يخوضون معركة استبسال يومية لحماية ما تبقى وتأهيل ما تدمر، وما يحتاجونه اليوم ليس الاتهامات وتصيّد الأخطاء، بل التمويل المباشر، والعدالة في توزيع الموارد، ورفع يد التدخلات عن قراراتهم الفنية.