تحقيق خاص (2) | البارجة البنغلاديشية : من يملكها؟ من يديرها؟ ولماذا غابت عن بورتسودان في ذروة أزمة الكهرباء ؟
تحقيق خاص (2) | البارجة البنغلاديشية : من يملكها؟ من يديرها؟ ولماذا غابت عن بورتسودان في ذروة أزمة الكهرباء ؟
تحقيق: محيي الدين شجر
تواصل «سودان سوا» في هذه الحلقة الثانية من تحقيقها الخاص حول مشروع البارجة الكهربائية البنغلاديشية بحث الجوانب التجارية والفنية والاقتصادية للمشروع، بعد أن تناولت الحلقة الأولى رحلة البارجة من بنغلاديش إلى السودان.
وتركز هذه الحلقة على عدد من الأسئلة التي يرى مختصون أنها تستحق الإجابة، من بينها: من هو المالك القانوني للبارجة؟ وما طبيعة دور الشركة السودانية المتعاقد معها؟ وهل توجد شركات أخرى تتولى التشغيل الفني؟ وهل درست الحكومة خيار شراء البارجة بدلاً من استئجارها؟ وما حقيقة تكلفة الكهرباء المنتجة منها؟ ولماذا لم تعمل فور وصولها؟
ويستند هذا التحقيق إلى مراجعة بيانات وزارة الطاقة والنفط، ومعلومات منشورة في سجلات ومصادر دولية متخصصة في قطاع الطاقة والملاحة البحرية، إلى جانب وثائق ومعلومات اطلعت عليها «سودان سوا»، مع التأكيد على أن بعض الجوانب ما تزال في انتظار ردود رسمية من الجهات المعنية.
نواوي.. الشركة التي حصلت على العطاء وسط تساؤلات الخبرة والدور
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والنفط، فإن شركة نواوي هي الجهة التي رسا عليها عطاء توفير نحو 100 ميغاواط من الكهرباء الإسعافية، وهي الطرف المتعاقد مع الحكومة السودانية لتنفيذ المشروع، على الرغم من أن “نواوي” لا تملك خبرة سابقة في مجال البوارج الكهربائية.
غير أن مراجعة المعلومات الفنية المرتبطة بالبارجة تشير إلى وجود أطراف أخرى شاركت في عمليات النقل والتجهيز والتشغيل، الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة توزيع الأدوار بين الشركة المتعاقدة والجهات الفنية الأخرى، وما إذا كانت “نواوي” تتولى جميع مراحل المشروع بصورة مباشرة أم أن بعض المهام أُسندت إلى شركات متخصصة بموجب ترتيبات تعاقدية منفصلة.
ولم تتمكن «سودان سوا» من الاطلاع على العقد الكامل المبرم بين الأطراف ذات الصلة للتحقق من هذه الترتيبات بصورة مستقلة.
دخول “السعدي اليمني”: من هو المشغل الفني الحقيقي؟
تشير معلومات ووثائق فنية اطلعت عليها «سودان سوا» إلى ظهور اسم “مجموعة السعدي للطاقة” (Al-Saadi Power) وهي شركة يمنية ضمن الجهات المرتبطة بالجوانب الفنية واللوجستية للمشروع، خاصة فيما يتعلق بترتيبات نقل البارجة، وتجهيزها، وأعمال التشغيل والصيانة.
كما تفيد تلك المعلومات بأن المجموعة تمتلك خبرات سابقة في تشغيل وصيانة محطات توليد الكهرباء، إلا أن «سودان سوا» لم تتمكن حتى الآن من التحقق بصورة مستقلة من طبيعة العلاقة التعاقدية بينها وبين شركة نواوي، أو ما إذا كانت تعمل بصفتها مقاولاً فنياً أو شريكاً تشغيلياً أو بأي صفة قانونية أخرى.
ولذلك خاطبت الصحيفة الجهات المعنية للحصول على توضيحات رسمية حول هذا الجانب.
3. تحالف خليجي-ماليزي: لمن تعود الملكية القانونية للبارجة؟
بحسب بيانات وسجلات بحرية وتجارية دولية اطلعت عليها «سودان سوا»، فإن البارجة (Haripur Commodore I) ما تزال مرتبطة بتحالف (Pendekar Energy)، الذي يضم شركات استثمارية في قطاع الطاقة، من بينها شركة (Edra Power Holdings) الماليزية وشركة (Aljomaih Energy and Water) السعودية.
ولم تتمكن الصحيفة من العثور على ما يفيد بانتقال الملكية القانونية للبارجة إلى جهة سودانية، الأمر الذي يفتح الباب أمام عدد من التساؤلات المهنية، من بينها:
* هل تم التعاقد مع الشركة السودانية بصفتها مزود الخدمة داخل السودان؟
* وهل توجد اتفاقيات تشغيل أو استئجار بينها وبين المالك أو الجهات المشغلة؟
* وما طبيعة العلاقة القانونية بين جميع الأطراف؟
وتؤكد «سودان سوا» أنها لا تستنتج من ذلك وجود أي مخالفة، وإنما تطرح أسئلة تستهدف توضيح الهيكل التعاقدي للمشروع.
4. صيف بورتسودان الحارق: لماذا تأخر التشغيل وقت الحاجة القصوى؟
يبقى السؤال الأبرز الذي ينتظر السودانيون إجابته: إذا كانت البارجة قد وصلت إلى بورتسودان في وقت كانت فيه البلاد تعاني أزمة كهرباء خانقة، فلماذا لم تدخل الخدمة فور اكتمال وصولها؟
ففي ذروة الصيف، شهدت بورتسودان ومدن أخرى ارتفاعًا غير مسبوق في درجات الحرارة، وتكررت التحذيرات من ضربات الشمس والإجهاد الحراري، بينما عانى المواطنون ساعات طويلة من انقطاع التيار الكهربائي. وكان من المتوقع أن تسهم البارجة في تخفيف حدة الأزمة، ولو جزئيًا، بإضافة قدرتها الإنتاجية إلى الشبكة القومية.
غير أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن التشغيل الفعلي لن يبدأ قبل شهر أكتوبر، أي بعد انقضاء ذروة الصيف. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا جاء الحل بعد انتهاء الفترة التي كانت البلاد في أمسّ الحاجة إليه؟
5. بطء الترتيبات وهشاشة الشبكة: من المسؤول عن غياب الاستعداد المبكر؟
تفيد الأخبار المنشورة بأن البارجة تحتاج إلى تجهيزات فنية وترتيبات موقِعية وتوصيلات لربطها بكهرباء بورتسودان. ولكن السؤال الذي يدور في ذهن مواطني المدينة مع القطوعات المستمرة الناتجة عن أعطال سد مروي: لماذا لم يكن هنالك استعداد مبكر يسبق وصولها، خاصة وأن ميعاد وصولها كان معروفاً سلفاً؟ ولماذا هذا التباطؤ في إيجاد الموقع وتأمين الترتيبات الفنية؟
هل يعود التأخير إلى استكمال أعمال الربط الفني مع الشبكة القومية؟ أم إلى إجراءات تعاقدية وإدارية؟ أم إلى اختبارات تشغيلية لم تكتمل؟
هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك، وإنما تسعى إلى فهم الأسباب، لا سيما وأنه تم الترويج للبارجة كحلٍّ عاجل. ومع اقتراب الموعد المعلن في أكتوبر، يبقى من حق المواطن معرفة حجم الفائدة وهل ستعالج الأزمة أم ستكون مجرد مسكن مؤقت.
6. 18 مليون دولار لشراء البارجة: هل أهدرت الحكومة خيار التملك؟
تشير معلومات منشورة في منصات دولية متخصصة بتداول أصول الطاقة إلى أن البارجة عُرضت للبيع عقب انتهاء عقدها السابق في بنغلاديش بسعر معلن يقارب **18.36 مليون دولار أمريكي**.
ولم تتمكن «سودان سوا» من التحقق بصورة مستقلة من إتمام أي صفقة بيع بهذا السعر أو غيره، كما لم يتسنَّ لها التأكد مما إذا كانت الحكومة السودانية قد درست خيار شراء البارجة بدلاً من استئجارها. ولهذا وجهت الصحيفة هذا السؤال إلى الجهات المختصة، وستقوم بنشر أي رد فور وروده.
7. أرقام التعرفة والوقود: كلفة شهرية باهظة تُثقل كاهل الدولة!
أعلنت وزارة الطاقة أن التعرفة المتفق عليها تبلغ **4.95 جنيه لكل كيلوواط/ساعة**. غير أن خبراء في عقود الطاقة يرون أن التعرفة قد لا تشمل جميع عناصر التكلفة، إذ قد تكون هناك مكونات مالية أخرى مرتبطة بتوفير الوقود، أو الصيانة، أو الخدمات اللوجستية.
وبما أن وزارة الطاقة هي من يتحمل كلفة الوقود (بمعدل 500 طن يومياً)، فإنها ستتكبد مبالغ طائلة؛ حيث تصل كلفة الوقود وحدها إلى نحو **10 ملايين دولار شهرياً**! وهنا يطرح السؤال نفسه مجدداً: لماذا لم تشترِ الحكومة البارجة بـ 18 مليون دولار طالما أن كلفة تشغيلها بالوقود في شهرين تقارب قيمة شرائها بالكامل؟
وبحسب المواصفات الفنية لمحركات البارجة (من إنتاج شركة Wärtsilä الفنلندية)، فإنها تعمل بتقنيات تسمح باستخدام أكثر من نوع وقود وبكفاءة عالية، لكن حجم الاستهلاك الفعلي وتكلفته يعتمدان على نمط التشغيل والأحمال.
8. الاستئجار أم الشراء؟ جدوى اقتصادية تحت المجهر**
يرى مختصون أن المقارنة بين شراء أصل إنتاج الكهرباء واستئجاره لا تعتمد على سعر البارجة وحده، وإنما تشمل مدة العقد، وتكلفة التمويل، ورسوم التأمين، والصيانة، والوقود، والعائد الاقتصادي على المدى الطويل.
ولهذا يبرز سؤال اقتصادي مشروع: هل أجرت الجهات المختصة دراسة مقارنة بين خيار شراء البارجة وخيار استئجارها قبل توقيع العقد؟ وحتى إعداد هذه الحلقة، لم تتلق «سودان سوا» إجابة رسمية.
9. أسئلة حائرة تنتظر الإجابة الرسمية**
لا تزال هناك عدة أسئلة ترى «سودان سوا» أنها تستحق التوضيح للرأي العام، من أبرزها:
* ما الخبرة السابقة لشركة نواوي في إدارة مشروعات الطاقة الكهربائية؟
* ما طبيعة العلاقة التعاقدية بينها وبين الجهات الفنية المشغلة؟
* هل تم تقييم خيار التعاقد المباشر مع المالك أو المشغل الأصلي؟
* هل يشمل السعر المعلن جميع عناصر التكلفة أم توجد التزامات مالية إضافية؟
* ما التكلفة السنوية المتوقعة للمشروع مقارنة بالبدائل الأخرى؟
* وما مستقبل مشروع محطة “كلاناييب” في ظل دخول البارجة إلى الخدمة؟
حق الرد مكفول
وجهت «سودان سوا» استفسارات إلى الجهات المختصة بشأن عدد من المحاور الواردة في هذا التحقيق، من بينها طبيعة التعاقد، وهيكل الملكية، وآلية التشغيل، والتكلفة، وما إذا كانت الحكومة قد درست خيارات بديلة قبل إبرام العقد.
وحتى وقت النشر، لم تتلق الصحيفة ردوداً رسمية، وستقوم بنشر أي توضيحات أو وثائق أو ردود من وزارة الطاقة، أو شركة نواوي، أو أي جهة ذات صلة، كاملةً ودون اجتزاء، التزاماً بحق الرد واستكمالاً للصورة أمام القراء.
في الحلقة الثالثة:
> بالأرقام والوثائق… مقارنة بين تكلفة الكهرباء المنتجة من البارجة البنغالية وتكلفة إنتاجها من المحطات التقليدية، مع قراءة في تجارب دول أخرى استعانت بمحطات الطاقة العائمة.
>