كلما تحرك كباشي.. خرجت أبواق الفتنة/ بقلم محيي الدين شجر
رأي | كلما تحرك كباشي.. خرجت أبواق الفتنة
بقلم : محيي الدين شجر
ليس من قبيل المصادفة أن تنشط حملات التشكيك كلما برز الفريق أول ركن شمس الدين كباشي في المشهد العام، كما حدث عقب لقائه مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، في القاهرة. يومها امتلأت منصات التواصل بالتحليلات والتأويلات، ورُسمت سيناريوهات لا تستند إلى معلومات موثقة بقدر ما استندت إلى الرغبات والأمنيات والتخطيطات
واللافت أن أصحاب هذه الحملات لا ينتظرون تصريحًا رسميًا أو موقفًا معلنًا، بل يسبقون الأحداث بتفسيراتهم، ثم يبنون عليها روايات ما انزل الله بها من سلطان عن خلافات وانقسامات، وكأنهم يبحثون عن أي مدخل يمكن أن يهز ثقة السودانيين في مؤسسات دولتهم.
عاد كباشي إلى الخرطوم، ولم ينبس ببنت شفة، تاركًا المحرضين والمروجين والحالمين وأصحاب الأغراض يعمهون في رواياتهم،
بينما انصرف إلى أداء مهامه، واضعًا العمل فوق الجدل، والإنجاز فوق الرد على الشائعات.
ولا خلاف داخل المؤسسة العسكرية كما يحاول البعض تصويره. فقد حافظت القوات المسلحة على تماسكها منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وكان هذا التماسك أحد أهم أسباب صمودها وانتصاراتها في مختلف الجبهات.
ولو كانت المؤسسة تعاني من الانقسامات التي يتحدثون عنها، لما استطاعت الصمود كل هذه المدة، ولا تحقيق ما تحقق على الأرض.
ولهذا، فإن أخطر ما تستهدفه تلك الحملات هو النسيج العسكري نفسه. فهي تدرك أن أي مؤسسة يمكن أن تُستنزف إذا نجحت الشائعات في ضرب الثقة بين قادتها،
ولذلك تركز باستمرار على محاولة الوقيعة بين الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان والفريق أول ركن شمس الدين كباشي، رغم غياب أي دليل حقيقي يسند هذه المزاعم.
وقد لفت انتباهي الحراك الأخير الذي يقوده الفريق كباشي، سياسيًا وعسكريًا، من خلال لقاءاته مع القيادات الحزبية والشخصيات المجتمعية والقيادات العسكرية، في إطار مسؤولياته الدستورية نائبًا للقائد العام للقوات المسلحة. فمن لقاء وفد حزب الأمة القومي، إلى اجتماعاته مع القيادات العسكرية، مرورًا بلقاءاته مع مختلف المكونات الوطنية، بدا واضحًا أنه يؤدي دورًا طبيعيًا تمليه المرحلة، لا أكثر ولا أقل.
وهذا الحراك، بطبيعة الحال، لن يروق لأولئك الذين لا يعيشون إلا على صناعة الأزمات. وسيحاولون تصوير هذه اللقاءات على أنها تحركات خارج رؤية المؤسسة العسكرية أو بعيدة عن توجيهاتها، كما فعلوا مرارًا من قبل.
لكن التجربة أثبتت أن هذه الحملات لا تعيش طويلًا، لأنها تصطدم في النهاية بالواقع.
ومن يتابع هذه الحملات يلاحظ أنها لا تقوم على معلومات موثقة، وإنما على تسريبات مجهولة المصدر، ومعلومة المصدر وتحليلات مبنية على الأمنيات أكثر من الحقائق. وفي كل مرة يثبت الواقع أن ما رُوِّج له لم يكن سوى حملة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الحملات التي دائما تنهار أمام الوقائع.
وبما أن الحديث يجر الحديث، فقد انتقلت ماكينة الشائعات إلى رواية أخرى، وهي الحديث المتكرر عن قرب حل مجلس السيادة.
ويتجاهل أصحاب هذه الرواية أن المجلس ليس لجنة يمكن حلها بقرار إداري، بل مؤسسة قامت عليها ترتيبات المرحلة الانتقالية، بناء على الوثيقة الدستورية وتستند إليها شرعية السلطة القائمة.
وأي تغيير في بنية المرحلة الانتقالية يعني تمزيق الوثيقة الدستورية وبالتالي تفقد حكومة البرهان شرعيتها .
لذلك، فإن الترويج المستمر لهذا السيناريو يبدو أقرب إلى صناعة البلبلة منه إلى قراءة واقعية للمشهد.
وفي المقابل، يروج آخرون لفكرة أن تركيز جميع السلطات في يد البرهان هو الطريق الأسرع لاتخاذ القرار، وأن تعدد المسؤوليات داخل المؤسسة العسكرية يعطل الدولة. وهذا طرح يتجاهل طبيعة إدارة الدول والجيوش الحديثة، التي تقوم على توزيع الاختصاصات وتكامل الأدوار، لا على اختزال المؤسسة في شخص واحد. فالمؤسسات القوية تُبنى بالشراكة المؤسسية، لا بالمركزية المطلقة.
والحقيقة التي يصعب تجاهلها أن الفريق أول ركن شمس الدين كباشي ليس قائدًا عاديًا داخل القوات المسلحة، بل أحد أبرز قادتها وأكثرهم تأثيرًا، ويحظى بتقدير واسع داخل المؤسسة العسكرية نتيجة مسيرته الطويلة وخبراته المتراكمة. ومن الطبيعي أن يعتمد عليه القائد العام في إدارة ملفات متعددة، كما هو الحال في أي مؤسسة عسكرية محترفة.
وفي المقابل، يدرك الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، أن المحافظة على وحدة القيادة ضرورة تمليها المصلحة الوطنية. ولذلك، فإن الرهان على نجاح الشائعات في إحداث شرخ داخل القيادة العسكرية هو رهان خاسر، لأنه يتجاهل طبيعة المؤسسة العسكرية وآليات عملها.
قد يختلف السودانيون في تقييم الأداء السياسي أو التنفيذي، وهذا حق مشروع، لكن تحويل كل لقاء إلى مؤامرة، وكل تحرك إلى صراع، وكل اختلاف في الرأي إلى انقسام داخل الجيش يعد محاولة لإضعاف الثقة في أهم مؤسسات الدولة في هذا الظرف الدقيق.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى تعزيز تماسك مؤسساته، لا إلى تغذية الشائعات حولها. ومن حق الجميع أن يناقشوا السياسات ويختلفوا حولها، لكن ليس من حق أحد أن يجعل القوات المسلحة ساحة لتصفية الحسابات السياسية أو لبناء روايات لا تستند إلى دليل.
ولذلك، فإن كل محاولة لدق إسفين بين البرهان وكباشي، أو الإيحاء بوجود صراع داخل القيادة العسكرية، لن تحقق سوى هدف واحد: خدمة من يريدون إضعاف الجيش وإرباك الدولة. أما الواقع، حتى الآن، فيقول إن المؤسسة العسكرية ما زالت متماسكة، وإن ما عجزت عنه ميادين القتال لن تحققه منصات الشائعات.