رضا حسن باعو يكتب: عنقرة.. سنادة.. الصحافة الجاتها تختاها (1)!
رضا حسن باعو يكتب: عنقرة.. سنادة.. الصحافة الجاتها تختاها (1)!
ربما لا يعجب الكثيرين ما نود تناوله في هذه السلسلة من المقالات، لكنني أعتقد أن من الضرورة بمكان مناقشة هذه القضايا على رؤوس الأشهاد، خاصة في ظل هذا التوقيت العصيب الذي تعيشه الصحافة السودانية، وبصفة خاصة الصحافيين الذين ظلوا يمارسون المهنة ويعتمدون عليها في معيشتهم.
وقبل أن ندلف إلى الموضوع الرئيس، لا بد من الإشارة إلى أننا لا نخجل مما نقوم به كصحفيين، أو لأكون أكثر دقة، فإنني على المستوى الشخصي لا أرى حرجًا في الجهر بمثل هذه القضايا، حتى وإن لم ترق لبعض الزملاء في الوسط الصحفي.
خلال فترة الحرب التي عصفت بالبلاد وأثرت على مختلف مناحي الحياة، اتخذ الصحافيون مواقف متعددة ومتباينة. فهناك من اختار الوقوف مع الجيش والقوات المساندة والدولة، وهناك من اتخذ مواقف أخرى، وهو أمر يحتاج إلى نقاش موضوعي بعيدًا عن التجريح والتخوين، مع الاحتفاظ بحق كل جهة في تقييم المواقف وفقًا للقانون والوقائع.
وعلى المستوى المادي، واجه كثير من الصحافيين الذين اختاروا مواصلة العمل في ظل ظروف الحرب صعوبات كبيرة، واضطر عدد منهم إلى تحمل الجوع والمعاناة والبحث عن الحد الأدنى من متطلبات الحياة، بينما حصل آخرون على فرص أفضل ومساعدات مكنتهم من تجاوز ظروف الحرب بصورة أكثر سهولة.
وهنا تبرز قضية تستحق النقاش: كيف وُزعت المساعدات والدعم المقدم للصحافيين؟ وما هي المعايير التي اعتمدت عليها الجهات المسؤولة في تحديد المستحقين؟ وهل وصلت المساعدات بالفعل إلى أكبر عدد ممكن من الصحافيين المحتاجين؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي أن تُفهم باعتبارها اتهامًا لأحد، وإنما باعتبارها مطالبة بالشفافية والعدالة في إدارة أي دعم مخصص لفئة الصحافيين.
في خضم هذه الظروف، برزت مجموعات وشخصيات تحدثت باسم الصحافيين، مستفيدة من حالة الفراغ التي أحدثها غياب اتحاد الصحافيين عن أداء دوره بالصورة التي كان ينتظرها كثير من العاملين في المهنة، خاصة بعد تفرق قياداته بين الداخل والخارج.
وهنا أيضًا تبرز أسئلة مهمة: من يملك الحق في تمثيل الصحافيين؟ وما هي الجهة التي تحدد المستحقين للدعم؟ وما هي الآليات التي يتم عبرها توزيع الأموال والمساعدات؟ وهل توجد قوائم واضحة يمكن الرجوع إليها للتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه؟
أمضينا نحو عامين في بورتسودان، عندما كانت عاصمة إدارية للبلاد، وشاهدنا عن قرب أوضاعًا صعبة عاشها عدد كبير من الصحافيين.
وفي هذا السياق، برز اسم عادل سنادة، الذي لم يكن من الأسماء المعروفة لدينا كصحفي ممارس للمهنة، وقد شاهدنا خلال تلك الفترة قيامه بدور في ترتيب لقاءات بين عدد من القيادات وبعض الصحافيين، والتحدث في بعض المناسبات باسم الصحافيين.
وهنا لا نطرح حكمًا على الرجل، وإنما نطرح سؤالًا مشروعًا: ما هي الصفة التي كان يستند إليها في تمثيل الصحافيين؟ وهل كان يقوم بذلك بتفويض واضح من جهة صحفية مختصة؟
والسؤال الأهم: لماذا كانت أبواب بعض المسؤولين مفتوحة أمام بعض الشخصيات التي تتحدث باسم الصحافيين، بينما ظل عدد من الصحافيين المعروفين والممارسين للمهنة يعيشون ظروفًا صعبة دون أن يجدوا من ينقل صوتهم أو يتابع احتياجاتهم؟
وفي تلك الأثناء أيضًا، ظهر الصحفي جمال عنقرة، واستفاد من علاقته بنائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار، الذي نشكر له صنيعه في توفير المأوى والسكن لعدد من الصحافيين والصحافيات من موارد الدولة، وسعيه لتقديم ما يمكن من أجل مساعدة الصحافيين في تلك الظروف.
غير أن ما نراه جديرًا بالنقاش هو أن التواصل مع بعض الصحافيين بدا أكثر حضورًا من غيرهم، وهو أمر كان يمكن أن يكون أكثر فائدة لو صاحبه نظام واضح يضمن وصول المعلومات والاحتياجات إلى المسؤولين من مختلف الصحافيين، دون أن يعتمد الأمر على العلاقة الشخصية أو القرب من هذا المسؤول أو ذاك.
وكان من المهم كذلك أن تكون هناك آلية واضحة لدى مكتب نائب رئيس مجلس السيادة لمتابعة ما يطرح عليه من قضايا تخص الصحافيين، والتأكد من وصول المساعدات أو الخدمات المخصصة لهم إلى مستحقيها، ومعرفة مدى رضا المستفيدين عنها.
المشكلة إذن ليست في شخص بعينه، وإنما في غياب الآلية المؤسسية الواضحة التي تمنع الالتباس في تمثيل الصحافيين، وتضمن عدالة توزيع الدعم، وتحول دون شعور بعض الصحافيين بأنهم خارج دائرة الاهتمام.
لقد أدى غياب اتحاد الصحافيين عن أداء دوره بصورة فاعلة خلال هذه المرحلة إلى ترك مساحة واسعة للاجتهادات الفردية، وفتح الباب أمام شخصيات مختلفة للظهور في واجهة المشهد الصحفي.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال موجهًا إلى المؤسسات قبل الأفراد: أين اتحاد الصحافيين؟ ومن يمثل الصحافيين بصورة رسمية؟ ومن يحدد احتياجاتهم؟ ومن يراقب الدعم المقدم لهم؟
لقد ضاق كثير من الصحافيين الذين دعموا وساندوا الجيش الأمرين، ليس لأنهم يطلبون امتيازات خاصة، وإنما لأنهم يرون تفاوتًا في فرص الوصول إلى المسؤولين والدعم والمساندة، بينما يعيش بعضهم ظروفًا اقتصادية قاسية ويجد صعوبة في توفير أبسط احتياجات أسرته.
والعدالة هنا لا تعني منح الجميع الشيء نفسه، وإنما تعني أن تكون هناك معايير واضحة ومعلنة، وأن يعرف الصحفي المحتاج إلى أين يتجه، ومن المسؤول عن ملفه، وكيف يمكنه الحصول على حقه دون الحاجة إلى واسطة أو علاقة شخصية.
هذه ليست قضية عنقرة أو سنادة وحدهما، وليست قضية أشخاص بعينهم، وإنما هي قضية الصحافة السودانية في زمن الحرب، وحق الصحفي في أن يجد مؤسسة تحمي حقوقه وتمثله بعدالة، وأن تصل موارد الدولة المخصصة للصحافيين إلى مستحقيها وفق معايير واضحة وشفافة.
أما إذا كانت هناك مخالفات أو تجاوزات في إدارة هذا الملف، فإن مكانها الطبيعي هو التحقيق والتوثيق والمساءلة، لا الاتهام المسبق.
ولذلك فإننا نطرح هذه الأسئلة، ونفتح هذا الملف، ليس بهدف الإساءة إلى أحد، وإنما بهدف الوصول إلى إجابات واضحة تحفظ للصحافي السوداني كرامته وحقه، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الصحفية ودورها في حماية العاملين بالمهنة.
نواصل