عام البيئة أم عام المقابر؟.. من يحاسب الموارد المعدنية على نزيف الأرواح في التعدين الأهلي؟ بقلم: محيي الدين شجر

عام البيئة أم عام المقابر؟.. من يحاسب الموارد المعدنية على نزيف الأرواح في التعدين الأهلي؟
بقلم: محيي الدين شجر
كلما انقشع غبار انهيار بئر أو منجم، ارتفع عدد الضحايا، ثم انشغل الجميع بأرقام جديدة، بينما يبقى السؤال القديم بلا إجابة: لماذا لا تتوقف هذه المآسي؟
لم يعد الموت في مناطق التعدين الأهلي حادثاً استثنائياً، بل أصبح مشهداً متكرراً يدفع ثمنه شباب خرجوا بحثاً عن لقمة العيش، فعادوا جثامين تُنتشل من تحت الصخور أو من أعماق الآبار. والأخطر أن تكرار هذه الحوادث يجعلها أقرب إلى أزمة مستمرة تحتاج إلى مراجعة شاملة لإجراءات السلامة والوقاية.
المفارقة المؤلمة أن المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، الأستاذ محمد طاهر عمر، أعلن في مطلع فبراير 2026 أن هذا العام سيكون “عام البيئة”، وأطلق رؤية جديدة لقطاع التعدين تقوم على الوقاية، والتخطيط البيئي المسبق، وحماية الإنسان والموارد الطبيعية، مؤكداً أن الالتزام بالبيئة وسلامة العاملين مسؤولية لا تقبل التهاون.
كما وجّه بتعزيز الإرشاد الميداني، والشراكة مع الشركات، والالتزام الصارم بمعايير السلامة المهنية، وتسلم وثيقة عهد والتزام من إدارة البيئة والسلامة لتطبيق هذه المعايير في جميع مواقع التعدين.
لكن بعد هذه الوعود الكبيرة، جاءت الوقائع على الأرض لتطرح المزيد من الأسئلة حول مدى تنفيذ هذه الرؤية في الميدان.
فما زالت حوادث الانهيارات تتكرر، وما زالت الأرواح تُفقد، وما زالت أخبار الضحايا تتصدر المشهد.
فوفقاً للحوادث المعلنة والمتاحة، ففي أبريل 2026، أي بعد شهرين من إعلان “عام البيئة”، لقي 7 معدنين مصرعهم وأصيب 6 آخرون إثر انهيار بئر تعدين تقليدي بمنطقة القنب والأوليب بولاية البحر الأحمر.

وفي يوليو 2026، لقي 15 معدناً مصرعهم وأصيب آخر إثر انهيار منجم ذهب بمنطقة سمنة في وادي حلفا، بحسب ما أُعلن من الشركة السودانية للموارد المعدنية.
وبذلك، ووفق الحوادث المعلنة التي تم الوصول إليها، يبلغ الحد الأدنى للوفيات خلال عام 2026 نحو 22 وفاة على الأقل، دون احتساب أي حوادث أخرى قد تكون وقعت ولم تصل تفاصيلها إلى الإعلام أو لم تُعلن عنها الجهات المختصة.

أما العام 2025 فكان هو الآخر شاهداً على استمرار نزيف الأرواح.
فمن خلال الحوادث المعلنة يمكن رصد عشرات الضحايا على الأقل، ومن أبرز الحوادث المتداولة:
حادثة منجم هويد بين هيا وعطبرة في يونيو 2025، حيث أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية وفاة 11 معدناً وإصابة 7 آخرين، بينما تحدثت مصادر محلية عن أرقام أكبر وصلت إلى نحو 50 قتيلاً نتيجة انهيارات في المنطقة.
كما شهد أغسطس 2025 حادثة منجم كارلويس بولاية البحر الأحمر، التي أسفرت عن وفاة 4 معدنين وإصابة 9 آخرين إثر انهيار بئر.
وبحسب البيانات والحوادث المعلنة فقط، فإن العدد المؤكد يبدأ من 15 وفاة على الأقل، مع احتمال ارتفاع العدد الفعلي بسبب صعوبة حصر جميع الحوادث في مناطق التعدين النائية، خاصة تلك التي لا تصل تفاصيلها إلى وسائل الإعلام أو الجهات الرسمية.
وهذا يفرض سؤالاً مشروعاً: أين وصلت رؤية مدير عام شركة الموارد المعدنية ؟ وهل تحولت إلى برامج ميدانية حقيقية، أم ما زالت بحاجة إلى خطوات تنفيذية أوسع على أرض الواقع؟
إن الشركة السودانية للموارد المعدنية ليست جهة لتحصيل الرسوم فقط، بل هي جزء من منظومة تنظيم قطاع التعدين، وعندما تعلن أن السلامة والبيئة من أولوياتها، فإن من حق المواطنين والرأي العام المطالبة بتقييم واضح لما تم تنفيذه، وما يحتاج إلى تطوير، وأسباب استمرار هذه الحوادث.
التعدين الأهلي أصبح مصدر رزق لآلاف الأسر السودانية، لكنه في المقابل يحمل مخاطر كبيرة. فكثير من العاملين يواجهون ظروفاً صعبة داخل الآبار والمواقع التعدينية، وقد تفتقر بعض المناطق إلى وسائل الحماية الكافية، أو فرق الإسعاف القريبة، أو خطط الاستجابة للطوارئ، وهو واقع يستدعي مراجعة شاملة من جميع الجهات المعنية.
اليوم لم يعد المطلوب المزيد من الشعارات أو الوعود ، بل إجراءات تُقاس بنتائجها. المطلوب رقابة ميدانية أكثر فاعلية، وتوسيع برامج التوعية، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات السلامة، وإعلان نتائج أي مراجعات أو تحقيقات تتعلق بالحوادث، حتى يعرف الرأي العام أسباب ما يحدث داخل مواقع التعدين.
فالذهب مورد مهم للاقتصاد، لكنه لا يمكن أن يكون أغلى من الإنسان. وإذا كان عام 2026 قد رُفع له شعار “عام البيئة”، فإن النجاح الحقيقي لهذا الشعار يقاس بالأفعال على الأرض يقاس بعدد الأرواح التي نجت، وعدد الحوادث التي تم منعها، وبقدرة مؤسسات الدولة على جعل التعدين وسيلة للعيش لا طريقاً إلى الموت.
.