رؤيا / العيب ليس في الصورة… بل في العيون التي لم تعد ترى إلا الهوامش/ د.جميلة الجميعابي

رؤيا
*ليس العيب في الصورة… بل في العيون التي لم تعد ترى إلا الهوامش*
د.جميلة الجميعابي
ليس أخطر ما كشفت عنه الساعات الماضية صورةٌ تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي، وإنما الطريقة التي استقبلها بها كثيرون. فقد انصرف قطاع واسع من الناس إلى التعليق على الملامح والهيئة، وإطلاق عبارات السخرية والتنمر، وكأن كرامة الإنسان أصبحت مادةً للترفيه، بينما غابت عن المشهد الأسئلة التي تستحق أن تُطرح، والقضايا التي تستحق أن تشغل الرأي العام.
ليست المشكلة في صورة تُنشر، ولا في ملامح إنسان، وإنما في عينٍ لم تعد ترى إلا الهوامش، وعقلٍ استسلم لضجيج العابر، حتى أصبح يخلط بين ما يلفت الأنظار وما يستحق الاهتمام الواعي.
أي خلل في منظومة الوعي يجعل مظهر الإنسان أكثر حضورًا من حقوقه؟ وأي انحدار في سلم الأولويات يجعل التعليقات الساخرة تتصدر المشهد، بينما تتراجع القضايا المرتبطة بالعدالة، وأخلاقيات النشر، ومسؤولية الكلمة، واحترام كرامة الإنسان؟
المؤلم ليس أن تصدر هذه الممارسات من بعض العامة، وإنما أن يشارك فيها من يُنتظر منهم أن يقودوا الوعي، وأن يرتقوا بالذائقة العامة. فالمثقف الحقيقي لا يُقاس بما يكتب لإثارة الضجيج، وإنما بما يضيفه إلى وعي الناس، والإعلامي لا تُقاس رسالته بعدد التفاعلات، بل بقدرته على ترسيخ قيم المهنية، واحترام الإنسان، وصناعة رأي عام مسؤول.
إن التنمر ليس حرية رأي، ولا لونًا من ألوان النقد، ولا دليلًا على خفة الظل؛ إنه انحدار أخلاقي، وإفلاس في الحجة، وعجز عن مناقشة الأفكار، فيكون الهروب إلى استهداف الأشخاص أسهل من مواجهة القضايا.
إن الأمم لا تتقدم بكثرة ما تتداوله من أخبار، وإنما بحسن اختيار ما يستحق أن يكون قضية رأي عام. وحين ننشغل بالهوامش، فإننا نخذل القضايا الكبرى، ونمنح الضجيج مساحة لا يستحقها.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس انتشار التنمر وحده، بل اعتيادها عليه، حتى يصبح مشهدًا مألوفًا، وتتحول الإساءة إلى وسيلة للتسلية، ويغدو الانتقاص من الآخرين ثمنًا زهيدًا لجذب الانتباه.
فلنقاوم التنمر، لا دفاعًا عن شخص بعينه، وإنما دفاعًا عن قيمة الإنسان، وعن حق المجتمع في خطاب يرتقي بالعقول، ويصون الكرامة، ويعيد إلى الرأي العام أولوياته.
حين يصبح التنمر حديث الناس، وتغيب القضايا الكبرى عن مجالسهم، فاعلم أن الأزمة ليست في وسائل التواصل… بل في الوعي الذي يديرها.
فالأمم التي تحترم عقولها لا تجعل من الأشخاص قضايا، بل تجعل من القضايا طريقًا لحماية الإنسان، وصون كرامته، وبناء مستقبل أكثر وعيًا وإنسانية.
لن ينهض مجتمعٌ يجعل من كرامة الإنسان مادةً للتندر، ومن القضايا الكبرى مجرد هامش.
فلنجعل من الكلمة وسيلةً لبناء الإنسان لا لهدمه، ومن الإعلام منبرًا للوعي لا ساحةً للتنمر، ولنجعل من منصات التواصل فضاءاتٍ تحترم الإنسان، وتصون كرامته، وتُعلي من قيمة الحوار المسؤول. فالمجتمعات الراقية تُعرف بما تغرسه من وعي، وبما ترسخه من احترام، وبقدرتها على تحويل الكلمة إلى قوةٍ للبناء والإصلاح، لا أداةٍ للإساءة والإقصاء.