ابتذال وإسفاف وفضائح في سباق المشاهدات
ابتذال وإسفاف وفضائح في سباق المشاهدات
بقلم: محيي الدين شجر
شهد المجتمع السوداني خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة فرضتها الحرب والنزوح والأزمات الاقتصادية، لكن أخطر هذه التحولات ما أصاب منظومة القيم لدى بعض الأفراد، خاصة في الفضاء الرقمي.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي عند البعض وسيلة للرزق، وهذا في حد ذاته ليس عيبًا، بل هو أمر مشروع إذا كان قائمًا على محتوى محترم يضيف معرفة أو يقدم منفعة أو يبعث رسالة إيجابية. غير أن ما يدعو إلى القلق هو أن فئة من صناع المحتوى اختارت الطريق الأسهل: الإثارة، والابتذال، والاسفاف وكسر الحواجز الأخلاقية، في سبيل زيادة المشاهدات وتحقيق الأرباح.
ولم يعد مستغربًا أن نشاهد محتوى يخدش الحياء، أو ألفاظًا سوقية، أو مواقف مفتعلة، أو سلوكًا لا يمت بصلة إلى القيم التي عُرف بها السودانيون عبر تاريخهم.
والأشد إيلامًا أن بعض أصحاب هذا المحتوى لا يشعرون بأي حرج، بل يتباهون بما يحققونه من أرقام، وكأن النجاح يُقاس بعدد المشاهدات لا بقدر الاحترام الذي يحظى به الإنسان.
إن الكسب المادي حق مشروع، لكن ليس كل طريق إلى المال مشروعًا أخلاقيًا. فهناك فرق بين من يصنع محتوى يحترم عقل الناس وذوقهم، وبين من يجعل من الإسفاف والابتذال سلعةً تُباع وتُشترى. والمال الذي يأتي على حساب الكرامة والقيم يفرغ النفوس من احترامها لذاتها، ويترك أثرًا بالغ السوء في المجتمع، خاصة بين الشباب والأطفال الذين يرون في هؤلاء قدوةً ويقلدونهم.
ولا يجوز أن نعمم هذه الظاهرة على جميع السودانيين، فهناك نماذج مشرقة من الإعلاميين والمثقفين وصناع المحتوى الذين يقدمون أعمالًا راقية تستحق الدعم والإشادة. لكن وجود النماذج الإيجابية لا ينبغي أن يمنعنا من دق ناقوس الخطر أمام ظاهرة آخذة في الاتساع.
إن الحرية لا تعني الانفلات، كما أن الشهرة لا يجب أن تُنال بفواحش القول والعمل. فالحرية مسؤولية، والشهرة قيمة لا ينبغي أن تُكتسب خارج إطار الأخلاق والذوق العام.
وما أسهل الشهرة التي تأتي في مقطع داعر وغير اخلاقي
إن مسؤولية حماية الذوق العام يجب أن تكون من الدولة والأسرة ومن المؤسسات التعليمية
وقبل ذلك ، هي مسؤولية كل فرد يملك هاتفًا ومنصةً وكلمةً وصوتًا. فالكلمة أمانة، والصورة أمانة، والتأثير أمانة، وما يُنشر اليوم سيبقى شاهدًا على صاحبه غدًا.
ويبقى الأمل في أن يستعيد المجتمع السوداني صورته التي عرفه بها الناس: مجتمعًا يحترم القيم، ويعتز بالأخلاق، ويؤمن بأن الشهرة الحقيقية في الأثر الطيب الذي يتركه الإنسان خلفه. فالأرباح تُحصى بالأرقام، أما الأخلاق فلا تُقدَّر بثمن.