بعد فيديو الجريمة.. رئيس شورى البطاحين يدعو لترك قرار العفو أو القصاص لأولياء الدم
رئيس شورى البطاحين: كاميرا المراقبة حسمت الحقيقة والقصاص حقٌ خالص لأولياء الدم
متابعات : سودان سوا
شاهدت، ببالغ الأسى وعميق الحزن، المقطع المصور الذي التقطته كاميرات المراقبة، والذي وثّق، بأدق التفاصيل، جريمة الغدر التي نُفذت وفق تخطيط محكم، حتى غدت نموذجًا مكتمل الأركان لما استقر عليه الفقه والقضاء الجنائي تحت وصف “سبق الإصرار والترصد”. لقد انتشر هذا التسجيل على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، فتحولت قضية ابننا المغدور إلى قضية رأي عام، وأصبح مطلب القصاص من الجناة مطلبًا شعبيًا تتوحد حوله مشاعر الناس وإحساسهم الفطري بالعدالة.
لقد أظهرت المشاهد، بما لا يدع مجالًا للشك، تكالب ستة رجال مسلحين على رجل أعزل، في صورة تجسد اختلال موازين القوة وانعدام الشهامة. ثم وثقت اللحظة التي وجّه فيها أحدهم الضربة القاتلة التي أودت بحياة الفقيد، كما سجلت – وهو الأشد إيلامًا – كيف قاوم العركشابي الحر ذلك الاعتداء الغادر والمباغت، غير متوقع أن يأتيه الأذى ممن كانوا موضع ثقته، وظنهم في دائرة الأمن والوفاء.
وقد علمت أن الجناة كانت تربطهم بالفقيد علاقات صداقة ومودة، وتبادلوا معه الزيارات والمؤانسة، غير أنهم قابلوا تلك الثقة بالخيانة، واستبدلوا الوفاء بالغدر، حتى شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن تكون هناك كاميرا مراقبة يجهل وجودها القاتل والمقتول معًا، فتولت توثيق الجريمة كاملة، لتكون شاهدًا صامتًا لا يكذب، وحجة دامغة أمام العدالة، وشهادة محفوظة يراها الناس جميعًا.
ولعل في هذا التوثيق الإلهي حكمة لا يعلم مراميها إلا الله، إذ كشف للناس خبايا نفوس أظلمها الحقد، وتجردت من معاني الصداقة والأمانة والإخلاص والمروءة. كما عرّى أمام الرأي العام حجم الخسة والدناءة التي دفعت ستة من رفقاء الأمس إلى التناوب على الاعتداء على صديقهم الأعزل حتى أردوه قتيلًا، من أجل عرض زائل من أعراض الدنيا، لا يساوي – مهما عظمت قيمته – قطرة دم واحدة من دماء ابن آدم التي جعلها الله معصومة ومصونة.
وفي المقابل، تابعنا مشاهد وفود العزاء التي تقاطرت إلى دار الفقيد بمنطقة أبو دليق، فكانت صورة مضيئة تجسد قيم التكافل والتراحم، وتقف على النقيض تمامًا من صورة الغدر والخيانة التي وثقها ذلك التسجيل المؤلم. لقد جسدت تلك الوفود الوجه المشرق للمجتمع، حيث تبقى القيم والأعراف الأصيلة أقوى من نوازع الانتقام والانفعال.
وقبل أن أختم، أؤكد مبدأً شرعيًا وقانونيًا راسخًا، وهو أن أهل الجناة لا يحملون وزر ما اقترفته أيدي أبنائهم؛ فقد قررت العدالة الإلهية الخالدة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وقد أدوا واجب العزاء بما تمليه عليهم الأخلاق والأعراف، كما أحسن أهل الفقيد حين قبلوا ذلك العزاء، في موقف يجسد مكارم الأخلاق التي عُرف بها البطاحين، والتي ظلوا يمارسونها في مواقف عديدة عبر تاريخهم الاجتماعي.
كما اطلعنا على البيان الصادر عن أمير فرع العركشاب، الذي ينتمي إليه الفقيد، والذي أوضح فيه أن قبول العزاء لا يعني، صراحةً أو ضمنًا، وجود نية أو وعد بالعفو عن الجناة، وأن الحديث عن ذلك سابق لأوانه، لأن الدعوى الجنائية لا تزال قيد التحري والتحقيق أمام سلطات إنفاذ القانون. وكان ذلك البيان موفقًا في تمليك الرأي العام الحقائق، ووضع حد للتأويلات غير الأمينة التي راجت في وسائل التواصل الاجتماعي على خلفية صور أداء واجب العزاء.
ولا خلاف في أن للبطاحين تاريخًا مشرفًا في العفو والإصلاح، ابتغاء مرضاة الله، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾. غير أن لكل مقام مقالًا، ولكل قضية ظروفها وملابساتها. فقد يكون العفو محمودًا في حالات القتل الخطأ، أو في بعض صور القتل العمد الذي يقع تحت تأثير استفزاز شديد ومفاجئ. أما الجريمة التي تُرتكب بعد تخطيط، ووفق سبق إصرار وترصد، كما كشفتها كاميرا المراقبة توثيقًا لا يقبل الجدل، فإن الأصل فيها أن تُواجه بسيادة حكم القانون، وأن يُقام فيها القصاص تحقيقًا للعدالة، وصونًا لحرمة الدماء، وردعًا لكل من تسول له نفسه العبث بأرواح الناس.
وإن مما يدعو إلى الارتياح أن الجميع قد آثر الاحتكام إلى القانون، وترك سبيل الانتقام الفردي والأخذ بالثأر، فكان ذلك انتصارًا للدولة، وللعدالة، وللقيم التي تحفظ للمجتمع أمنه واستقراره، وترسخ الثقة في مؤسسات إنفاذ القانون والقضاء حتى يأخذ كل ذي حق حقه وفق أحكام العدالة وسيادة القانون.
ختامًا، فإن أمر العفو أو المطالبة بالقصاص حق خالص لأولياء الدم، كفله الشرع وصانه القانون، ولا يملك أحد أن يتحدث بالنيابة عنهم أو أن يصادر إرادتهم أو يوجه قرارهم. وليس من حق أحد أن يفرض عليهم خيارًا بعينه، فذلك قرار لا يشاركون فيه إلا ضمائرهم وما يمليه عليهم دينهم وقناعاتهم ومصلحتهم.
غير أن الطريقة التي ارتُكبت بها هذه الجريمة، وما صاحبها من تخطيط محكم، وسبق إصرار وترصد، ثم ما شاء الله أن يوثق تفاصيلها كاملة بعدسة كاميرا لم يكن يعلم بوجودها لا الجاني ولا المجني عليه، يجعل هذه القضية مختلفة في طبيعتها، وأكثر تعقيدًا في أبعادها. ولعل الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تُسجل هذه اللحظات المؤلمة بكل تفاصيلها تحمل رسالة تستحق التأمل والاعتبار، فهي – فيما أعلم – من السوابق النادرة في محيطنا الاجتماعي التي وُثقت فيها جريمة بهذه الدرجة من الوضوح، حتى غدت الصورة نفسها شاهدًا لا يعتريه النسيان.
وإني أرجو ألا نشهد في الأيام القادمة ظهور من اعتادوا المتاجرة بقضايا الدماء، أو من يتخذون من مساعي الصلح وسيلة للضغط على أولياء الدم أو التأثير على قرارهم، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى السكينة والتروي. وليترك الجميع هذا الحق لأصحابه وحدهم، فهم أصحاب القرار، إن شاءوا عفوا ابتغاء وجه الله، وإن شاءوا طالبوا بحقهم المشروع في القصاص الذي قرره الشرع وكفله القانون، ولا تثريب عليهم في أيٍ من الخيارين.
كما أرجو أن يكون لشباب البطاحين دور مشرف في هذه المرحلة، لا بإملاء القرار على أسرة الفقيد، وإنما بحمايتها من كل صور الضغط الاجتماعي أو المعنوي، وتهيئة المناخ الذي يمكنها من اتخاذ قرارها بحرية وطمأنينة، بعيدًا عن المؤثرات والانفعالات. فالقرار الذي يصدر عن قناعة كاملة هو وحده القادر على أن يحقق السكينة لأولياء الدم، ويحفظ مكانتهم، ويصون وحدة المجتمع، ويؤكد أن العدالة، في نهاية المطاف، لا تكتمل إلا حين تقترن بحرية الاختيار التي منحها الله لأصحاب الحق.
Ahmed Y. Abu-Harira
رئيس مجلس شورى قبيلة البطاحين وامير فرع البتقاب