أمي فاطمة بت محيي الدين.. زولة الواجب وجبال الحنية

أمي فاطمة بت محيي الدين.. زولة الواجب وجبال الحنية
بقلم: محيي الدين شجر
أعجز عن الكتابة عن أمي، فاطمة بت محيي الدين التي رحلت ببورت سودان قبل أيام في يوم الوقوف بعرفة ، ولم أندهش حين سارع المئات للكتابة عن أفضالها في وقت واحد.. كان سيلًا من الكلمات والمحبة والدعوات، وكأن الناس جميعًا اتفقوا على أن هذه المرأة لم تكن عابرة في حياتهم.
وذلك وحده يكفي ليدل على مقدار محبتها واتساع أثرها بين الأهل والجيران والمعارف.
كتبوا عن كرمها، وعن بيتها المفتوح للناس، وعن قلبها الذي يسع الجميع. ويكفي مثال واحد فقط؛ ففي أيام الحرب استضافت امرأة مصرية وابنتها لأشهر طويلة، ونحن لا نعرفهما من قبل، فعاشتا بيننا كأنهما من الأسرة. وهذا مجرد مثال، وإلا فإن تعداد أفضالها يحتاج إلى عمر كامل.
ولم يكن ذلك غريبًا عليها، فهي ابنة الزلال بت حاج أحمد، تلك المرأة المشهورة في قريتنا “المقل” بالكرم والطيبة. كانت أمي تفخر دائمًا بأهلها، وتمازحنا قائلة إن أهلها أفضل من أهل أبي، ثم تضحك وهي تقول إن جدتنا من جهة أبي كانت “بومة”، بينما كانت تروي بفخر أنهم أهل علم، في حين كان أبي ـ رحمه الله ـ يرد عليها بأنهم ملوك ، وأن جدته كانت أميرة، ولذلك كان يُعرف بـ “ود أميرة”.
وبسبب الحرب عدت إلى بورتسودان، وعدت معها إلى حضن الأم من جديد بعد غياب طويل بسبب العمل في الخرطوم. وفي صيف بورتسودان القاسي أهديتها مروحة تعمل بالطاقة الشمسية حتى تخفف عنها قطوعات الكهرباء، فأطلقت عليها اسم “مروحة الحاج”، لأنني كنت قد أديت الحج في ذلك العام. وكانت تقول دائمًا: “جيبوا مروحة الحاج.. وين مروحة الحاج؟”
كانت تعزني كثيرًا، وآخر مرة دخلت عليها وهي ترقد بالعناية المكثفة احتضنتني بقوة، وكأنها كانت تودعني، وبعدها عجزت عن زيارتها مرة أخرى.
نعم، رحلت أمي، ونحسبها عند الله من أهل الجنة، فكل نفس ذائقة الموت، والموت هو الحقيقة التي لا ينبغي أن نتجاهلها. علينا أن نعمل للآخرة، وأن نستعد لها كما استعدت هي بالكرم والطيبة والصلاة والصدقة ومواساة الناس والاهتمام بأوجاعهم.
لقد لجأتُ أنا، في فترة مرضها، إلى القرآن والصدقات والعمل الصالح حتى أتحمل مرضها وأتقبله، وراجعت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأت قصص الأنبياء، وأقبلت على القرآن الكريم بقلب مطمئن. فكان مرضها ورحيلها سببًا في تقوية إيماني، وتذكيري بأن الدنيا ممر لا مقر، وأن الإيمان وحده هو القادر على امتصاص أوجاع الفقد، وما أقسى فقد الأم.
كانت تناديني دائمًا: “حبيب الروح” و”سيد الناس”، ولا عجب، فقد سمتني على اسم والدها الذي كانت تحبه كثيرًا.
ومن شدة حنانها على أبنائها كانت تردد حديث والدتها: “يا ريت لو بقدر أشيل أولادي جوه بطني.”
كانت شاعرة بالفطرة، تنظم الشعر في أبنائها وإخوتها والناس جميعًا بطلاقة وعفوية، وحتى وأنا في الخرطوم كانت تتصل بي أحيانًا لتسمعني قصيدة كتبتها.
لم أكن أسافر إلى أي مكان إلا بعد أن أخبرها وآخذ دعواتها وبركتها، وربما ألغيت السفر إذا طلبت مني ذلك. وكانت هي من تتصل إذا تأخرت عن المنزل، تسأل عني إذا لم أعد في موعدي المعتاد، حتى أصبحت أترقب اتصالها دائمًا، فإذا غاب عرفت أنها متعبة أو مريضة.
وفي بورتسودان كنت أذهب إليها كل صباح وأقول لها: “أنا طالع”، وعندما أعود يكون أول ما أفعله أن أذهب إليها وأقول: “أنا رجعت”.
أما ابنتي أميرة، التي تدرس بالجامعة، فكانت تطلب منها الدعاء دائمًا، وكانت تؤمن أن نجاحها في الجامعة كان ببركة دعوات جدتها.
كانت أمي ينبوع حنان لا ينضب، وجبالًا من العطف الحقيقي.
وإذا كانت الحرب كلها شرورًا، فإن خيرها الوحيد بالنسبة لي أنها أعادتني إلى حضن أمي بعد سنوات من الغياب، فآثرت البقاء في بيت الأسرة لأكون قريبًا منها.
آه يا أمي… يا زولة الواجب… يا فاطمة بت محيي الدين… يا من رحلتِ في يوم عرفة المبارك، والحمد لله على حسن الخاتمة، ونحسبكِ عند الله في عليين.
رحمكِ الله رحمة واسعة، وجعل البركة في ذريتكِ ومحبيكِ، وجمعنا بكِ في مستقر رحمته.