محيي الدين شجر يكتب : أمي التي رحلت في يوم عرفة…
أمي التي رحلت في يوم عرفة…
لن تصدقوا كم أحب أمي التي رحلت بالأمس في يوم عرفة، تاركةً خلفها إرثاً عظيماً من السماحة والطيبة والرحمة والاحتواء والإيواء.
كانت تُشفق على الجميع وتحنو على كل الناس، حتى كنت أظن أنها ليست من هذا الكوكب، وأنها هبطت من السماء برفقة الملائكة.
رحم الله أمي…
كان منزلها في بورتسودان ملجأً للنازحين والتائهين من مدن الحرب، فتحت أبوابه للجميع دون مَنٍّ ولا أذى، للقريب والبعيد، وكانت ترى في خدمة الناس واجباً ومحبةً خالصة لله.
كانت ينبوع حنان لا ينضب…
كانت أمي هي العيد، وها هو العيد بعدها فاقدٌ للمعنى، باهت الملامح، موحش التفاصيل.
ظلت تردد دائماً:
«من القوة إلى الهوة»
وكانت تخشى أن تصل إلى مرحلة تعجز فيها عن خدمة الناس وقضاء الواجبات.
وكانت تقول بحسرة:
«حياة شنو بعد ده وأنا ما قادرة أعمل حاجة»،
رغم أنها كانت تفعل الكثير، وتُعطي بلا حدود، لكنها كانت تتحسر لأنها لا تستطيع أن تفعل أكثر.
حتى في مرضها، أصرت أن نقوم بواجبات العزاء، وكانت تحثنا على مواساة الناس والوقوف مع الأهل والجيران، وكأنها خُلقت لتجبر خواطر الجميع.
كانت أم الكل…
أمّاً للأسرة، وللأهل، وللجيران، ولكل من عرفها.
وكان منزلها ملاذاً آمناً لكل محتاج ومكسور وخائف.
رحمها الله…
لم تكن أمي امرأةً عادية، بل كانت أمةً كاملة من الخير والرحمة والإنسانية، ولذلك كان ارتباطي بها عميقاً إلى حد لا تصفه الكلمات.
سمّتني على اسم والدها، فأصبحت هي أمي وابنتي وحياتي وسندي في هذه الدنيا.
يا الله… يا أمي…
اللهم اجعل مرضها كفارةً لها، ونقِّها من الذنوب كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأكرم نزلها في هذه الأيام المباركة.
كانت بارةً بأهلها، وفيةً لمجتمعها، أصيلةً في زمنٍ قلّت فيه الأصول والفضائل.
اللهم ارحمها رحمةً واسعة، واغفر لها، واجعل وفاتها في يوم عرفة بشارةَ خيرٍ ورضوان، واجمعنا بها في جنات النعيم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.