الغذاء صحةٌ أو مرض (3 من 20): الماء أول الغذاء

بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

الغذاء صحةٌ أو مرض (3 من 20): الماء أول الغذاء

قبل أن يسأل الإنسان عن نوع طعامه، وعن سكره وملحه وزيته وبروتينه ونشوياته، ينبغي أن يسأل عن الماء؛ لأن الماء ليس شرابًا عاديًا بين المشروبات، ولا عادةً جانبيةً يمكن أن تعوّضها أكواب الشاي والقهوة والعصائر الصناعية والمشروبات الغازية، بل هو أصل الحياة، وواسطة البناء، وسرّ الحركة في الجسد. قد يصبر الإنسان على نقص بعض الطعام زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يصبر على نقص الماء إلا قليلًا؛ لأن كل خليةٍ في بدنه تحتاج إليه، وكل جهازٍ من أجهزته يتأثر به، وكل توازنٍ داخلي في الجسم يختل حين يضعف حضور الماء في الحياة اليومية.
وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة الكبرى في آيةٍ جامعةٍ لا تقف عند الإنسان وحده، بل تتسع للحياة كلها، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]. فالماء في هذه الآية ليس مجرد مادةٍ تُشرب، بل أصلٌ من أصول قيام الحياة، وآية من آيات الخلق، ودليل على أن ما اعتاده الإنسان حتى صار لا ينتبه إليه، قد يكون من أعظم النعم التي لو غابت ساعةً عرف قدرها. ومن هنا فإن الحديث عن التغذية الصحية لا يبدأ من الطبق وحده، بل يبدأ من الكوب أيضًا؛ لأن من لا يحسن شرب الماء لا يحسن غالبًا بناء عاداته الغذائية كلها.
وليس المقصود بالماء هنا كل سائلٍ يدخل الفم. فكثير من الناس يظنون أنهم يشربون كثيرًا، لكنهم في الحقيقة لا يشربون ماءً كافيًا، وإنما يشربون شايًا وقهوة ومشروبات محلاة وعصائر صناعية ومشروبات غازية، ثم يحسبون ذلك كله من الماء. والفرق كبير بين أن يرتوي الجسد بالماء الصافي، وبين أن يُحمَّل في كل مرةٍ بالسكر أو المنبهات أو الألوان أو النكهات أو الغازات. فالماء يروي ويعين الجسد على وظائفه، أما المشروبات المحلاة فقد تزيد العبء بدل أن تكون مجرد وسيلة للارتواء.
وإذا كان الطعام قد يفسد بالإسراف وسوء الاختيار، فإن الشرب كذلك يفسد حين يفقد الإنسان ميزانه. فمن الناس من لا يشرب الماء إلا إذا اشتد عليه العطش، ومنهم من يستبدل الماء بالشاي طوال اليوم، ومنهم من يربط الارتواء بالمشروبات الباردة والمحلاة، ومنهم من يشرب دفعاتٍ كبيرة بعد إهمالٍ طويل، بدل أن يجعل الماء عادةً موزعةً على يومه. وهذه العادات لا تحتاج إلى تعقيدٍ في إصلاحها، بل تحتاج إلى وعيٍ بسيط: أن يكون الماء حاضرًا قبل العطش الشديد، وأن يكون هو الأصل، وما سواه تابعًا لا بديلًا.
وقد امتن الله تعالى على عباده بإنزال الماء الطهور، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]. وهذه الآية تذكّر الإنسان بأن الماء نعمة طهارةٍ وحياة معًا؛ يطهّر الظاهر، ويحفظ الباطن، ويصل الأرض بالسماء، ويجعل الجفاف خصبًا، والموات حياة. فإذا كان الماء بهذه المنزلة في الخلق، فمن العجيب أن يزهد فيه الإنسان وهو في متناوله، ثم يبحث عن الصحة في أشياء بعيدة ومعقدة، بينما أول بابٍ من أبواب الصحة أمامه كل يوم.
وفي واقعنا السوداني، للماء قصة أكبر من مجرد كوبٍ على المائدة. فهناك مناطق يشقّ فيها الحصول على ماءٍ نظيف، وأخرى يتوفر فيها الماء ولكن لا تُحسن الأسر تنظيم شربه، وأخرى يختلط فيها الماء بمشكلات التخزين والنقل والنظافة. ولذلك فإن الحديث عن الماء ينبغي أن يجمع بين أمرين: وفرة الماء وسلامته. فالماء إذا كان ملوثًا صار باب مرض، وإذا كان نقيًا لكنه مهملٌ في الشرب صار باب تقصير في حق البدن. ولا يكفي أن يوجد الماء في البيت، بل لا بد أن يكون مأمونًا، محفوظًا في أوعية نظيفة، بعيدًا عن مصادر التلوث، مستعملًا بعقلٍ واحترام.
وقد جعل القرآن الماء سببًا لإحياء الأرض وإخراج الرزق، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 99]. فإذا كان النبات الذي نأكله يبدأ من الماء، والثمار التي ننتفع بها تبدأ من الماء، والزرع الذي تقوم عليه حياة القرى والبلدان يبدأ من الماء، فإن الإنسان حين يشرب الماء إنما يعود إلى أصلٍ من أصول رزقه وغذائه، لا إلى شرابٍ هامشي. ولذلك فالماء أول الغذاء؛ لأنه يدخل في الطعام قبل أن يصل إلينا، ثم يدخل في أجسادنا بعد أن نأكل ونشرب.
ومن الأخطاء الشائعة أن ينتظر الإنسان العطش الشديد حتى يشرب. فالعطش رسالة، لكنه ليس دائمًا البداية الصحيحة للعناية بالجسد. والصواب أن يعتاد الإنسان شرب الماء خلال اليوم بقدرٍ مناسب لحاجته وحركته وحرارة الجو وحالته الصحية، دون مبالغةٍ تؤذيه، ودون إهمالٍ يجففه. فالذي يعمل في الحر أو يمشي كثيرًا أو يعرق يحتاج أكثر من الجالس في مكانٍ بارد، والمريض قد تختلف حاجته عن الصحيح، ومن عنده أمراض في الكلى أو القلب أو غيرهما لا ينبغي أن يتصرف بلا نصيحة طبيبه. أما الإنسان العادي فالأصل أن يجعل الماء رفيق يومه، لا علاجًا متأخرًا بعد الجفاف.
والماء لا يعمل وحده منفصلًا عن بقية الحياة. فمن يسهر طويلًا، ويكثر من الملح، ويشرب الشاي والقهوة بكثرة، ويقلل الخضروات والفواكه، ويجلس في الحر دون انتباه، قد يحتاج إلى مراجعة نمط يومه كله، لا إلى زيادة كوبٍ أو كوبين فقط. فالجسد منظومة واحدة، والماء يدخل في هذه المنظومة، يعين الهضم، ويساعد على انتظام الفضلات، ويحفظ رطوبة الفم والجلد، ويسهم في توازن حرارة الجسم، ويجعل الدم أقدر على حمل ما يحتاجه البدن. وكلما ضعف حضور الماء، ظهرت آثار ذلك في الخمول والصداع وجفاف الفم وثقل الحركة واضطراب الهضم عند بعض الناس.
ومن الهدي النبوي الرفيع أن الشرب ليس حركةً عابرةً بلا أدب، بل نعمة تستحق الذكر والحمد. ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها». وهذا الحديث يفتح بابًا لطيفًا في علاقة الإنسان بالماء: أن الشربة الواحدة ليست شيئًا قليلًا في ميزان النعمة. كم من إنسانٍ حُرم ماءً آمنًا؟ وكم من مريضٍ عجز عن الشرب؟ وكم من مسافرٍ أو عاملٍ أو ساكنٍ في أرضٍ جافةٍ يعرف أن جرعة الماء قد تكون في لحظةٍ من اللحظات أعظم من كثيرٍ من المتاع؟ فإذا حمد الإنسان ربه على الشربة، تحولت العادة اليومية إلى وعيٍ وشكر.
ومن الأدب الصحي والإنساني أيضًا ألا يفسد الإنسان الماء بسلوكٍ خاطئ. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس الشارب في الإناء. وهذا التوجيه يجمع بين الأدب والنظافة ومراعاة غيره ممن قد يشرب بعده. وفي البيوت والمجالس، خصوصًا حين يشترك الناس في الأواني أو القوارير أو مصادر الماء، تصبح طريقة الشرب جزءًا من حفظ الصحة، لا مجرد عادة شكلية. فسلامة الماء لا تتعلق بوجوده فقط، بل بطريقة حفظه وتناوله، وبألا يتحول الإناء أو مورد الماء إلى سببٍ لنقل الأذى بين الناس.
وفي البيوت يمكن أن يبدأ الإصلاح من إجراءات بسيطة. أن يكون في البيت إناء ماءٍ نظيف مغطى، وأن يتعود الأطفال شرب الماء بدل المشروبات المحلاة، وأن لا تُجعل العصائر الصناعية والمشروبات الغازية علامة إكرامٍ يومية، وأن يُقدَّم الماء للضيف قبل غيره، وأن يصحب العامل أو الطالب أو المسافر ماءه معه، وأن لا يُترك كبار السن حتى ينسوا الشرب أو يزهدوا فيه. فبعض كبار السن يقل شعورهم بالعطش أو ينشغلون عنه، فيحتاجون إلى تذكيرٍ لطيف لا إلى انتظار شكواهم.
ومن المهم أن نحرر الذوق من وهمٍ شائع: أن الماء لا طعم له، وأن المشروب لا يكون ممتعًا إلا إذا كان محلى أو ملونًا أو غازيًا. هذه عادة يصنعها التكرار، ويمكن أن يغيرها التكرار أيضًا. فمن خفف السكر تدريجيًا، ومن جعل الماء أمامه، ومن بدأ يومه بشرب الماء، ومن استبدل بعض أكواب الشاي والقهوة بالماء، ومن عوّد الطفل أن الماء هو الأصل، سيجد بعد زمن أن الذوق نفسه يتغير، وأن الجسد يطلب ما اعتاد عليه.
والماء مرتبط كذلك بالاقتصاد المنزلي. فكم تصرف بعض البيوت على مشروبات لا تبني صحة، ولو جعلت جزءًا من ذلك في خضروات أو بقوليات أو فاكهة موسمية أو تحسين تخزين الماء لكان أنفع. إن الفقر لا يعالج بالوعظ، ولكن حسن ترتيب الموجود يخفف كثيرًا من الضرر. وليس من الحكمة أن يشتكي الإنسان من تكلفة الغذاء النافع، ثم ينفق كل يوم على مشروبات محلاة لا تزيد الجسد إلا عبئًا. الماء في أكثر البيوت هو الأرخص والأقرب والأصح، ومع ذلك يزاحمه ما هو أغلى وأقل نفعًا.
وفي القرى، يصبح الماء قضية نهضة لا قضية تغذية فقط. فالماء النظيف يحفظ صحة الأطفال، ويقلل كثيرًا من أمراض التلوث، ويعين على الزراعة المنزلية، ويسمح بتربية أفضل للحيوان، ويرفع كرامة الحياة اليومية. وكل مشروعٍ قرويٍّ جاد لا بد أن يجعل الماء في مركزه: مصدرًا، ونقلًا، وتخزينًا، وتنقيةً، وترشيدًا. فالقرية التي تحسن إدارة الماء تبدأ من حيث تبدأ الحياة نفسها.
والقرآن حين يتحدث عن الماء لا يقدمه مجرد مادةٍ صامتة، بل يوقظ به العقل والقلب معًا، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ۝ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ۝ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: 68-70]. وهذه الآيات تجعل الشارب يرى ما وراء الكوب: يرى السحاب، والإنزال، والعذوبة، والقدرة، والمنة. ولو شاء الله أن يكون الماء ملحًا أجاجًا لا ينتفع به الإنسان كما ينتفع بالعذب، فمن الذي يرده عذبًا؟ ومن هنا فإن شكر الماء لا يكون بالحمد وحده، بل بحفظه، وعدم تلويثه، وعدم الإسراف فيه، واستعماله فيما ينفع البدن والحياة.
ولا ينبغي أن نقع في مبالغاتٍ شائعة حول الماء، كما يقع بعض الناس في مبالغات الطعام. فليس صحيحًا أن كل إنسان يحتاج المقدار نفسه في كل ظرف، وليس صحيحًا أن كثرة الماء بلا حدٍ نافعة لكل أحد، وليس صحيحًا أن الماء وحده يعالج كل الأمراض. الماء أصل عظيم، لكنه جزء من نظام الصحة العام، وحاجة الناس إليه تختلف باختلاف السن والحرارة والعمل والمرض والدواء وطبيعة الطعام. لذلك فالعاقل لا يهمله، ولا يغلو فيه، بل يجعله عادةً متوازنةً واعية.
ويؤكد العلم الحديث هذا المعنى تأكيدًا واضحًا؛ فقد ثبت طبيًا أن شرب كميات مفرطة من الماء، خاصة في وقتٍ قصير، قد يؤدي إلى ما يُعرف بتسمم الماء أو نقص الصوديوم في الدم، حيث يختل توازن الأملاح داخل الجسم، ويهبط تركيز الصوديوم، فتتأثر خلايا الدماغ والأعصاب والقلب، وقد تصل الحالة في صورها الشديدة إلى التشنجات والغيبوبة والوفاة. وقد بينت المراجع الطبية أن شرب الماء الزائد قد يطغى على قدرة الكلى على التخلص منه، فيؤدي إلى نقصٍ خطيرٍ في الصوديوم، وأن تسمم الماء قد يكون قاتلًا في الحالات الشديدة. وهنا يظهر سبق الميزان القرآني العام لما يقرره العلم في هذا الباب، في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فالآية لم تنهَ عن الطعام والشراب، بل نهت عن الإسراف فيهما، وهذا من أعظم دلائل التوازن في الهدي القرآني؛ إذ حتى الماء، وهو أصل الحياة، إذا أُخرج عن قدره وتحول إلى مبالغةٍ عمياء، قد ينقلب من نعمةٍ إلى خطر. فالصحة ليست في الإكثار المطلق، بل في الاعتدال: أن يشرب الإنسان بقدر حاجته، وحرارة الجو، وجهده، وحالته الصحية.
ومن أنفع ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يراجع يومه بسؤالٍ بسيط: كم مرة شربت ماءً خالصًا؟ وكم مرة استبدلته بمشروبٍ محلى؟ هل أشعر بالعطش كثيرًا؟ هل أعيش على الشاي أكثر مما أعيش على الماء؟ هل أطفالي يطلبون الماء أم لا يعرفون الشرب إلا من خلال العصير والمشروبات الغازية؟ مثل هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف خللًا كبيرًا كان مستترًا وراء العادة.
إن الماء أول الغذاء لأنه يدخل في أصل الحياة، وفي أصل الزرع، وفي أصل صحة الجسد، وفي أصل الطهارة، وفي أصل الشكر. ومن عرف قدر الماء، سهل عليه أن يعيد ترتيب مشروباته كلها. فلا يجعل الماء آخر ما يتذكره، ولا يجعل المشروبات المحلاة بديلًا عنه، ولا يفرط في المنبهات حتى تنزاح الشربة الصافية من يومه. وكل بيتٍ يجعل الماء أصل الشراب، ويعلم أبناءه احترامه، ويحفظه من التلوث، ويقدمه على غيره، يكون قد وضع حجرًا صغيرًا لكنه عظيم في بناء الصحة.
وهكذا، إذا كان المقال الأول قد قال إن الغذاء ليس شبعًا فقط، فإن هذا المقال يقول إن الشرب ليس امتلاء كوبٍ فحسب. الشرب وعيٌ أيضًا، والماء نعمةٌ كبرى، والارتواء الصحيح باب من أبواب العافية. وما بين بيتٍ يكرم الماء ويجعله أصل عاداته، وبيتٍ يزاحمه بالمحليات والمنبهات والمشروبات الصناعية، قد يتحدد فرق كبير في صحة الأطفال والكبار، وفي صفاء الجسد، وفي قدرة الإنسان على أن يعيش أقرب إلى الفطرة، وأبعد عن المرض الذي يبدأ أحيانًا من نسيان أبسط نعمة في الحياة.