بين الصحة والشفافية: إغلاق المسالخ بالخرطوم… قرار تكتنفه الشكوك
بين الصحة والشفافية: إغلاق المسالخ بالخرطوم… قرار تكتنفه الشكوك
بقلم : محيي الدين شجر
لا خلاف على أن صحة الإنسان تظل فوق كل اعتبار، ولا يمكن لأي صوت عاقل أن يقف ضد إجراءات تهدف إلى حماية المواطنين من الأمراض والمخاطر البيئية. لكن في المقابل، فإن القرارات التي تمس قطاعات حيوية ومعاش الناس، مثل قرار وزارة الزراعة والري بولاية الخرطوم بإغلاق عدد من المسالخ، تحتاج إلى قدر عالٍ من الشفافية والوضوح، حتى لا تتحول من خطوة إصلاحية إلى مصدر للجدل والتشكيك.
القرار، بحسب ما أعلنته الجهات المختصة، استند إلى تقرير لجنة فنية رصدت مخالفات تتعلق بالبنية التحتية، والاشتراطات الصحية، والتحديات البيئية، و الجوانب الشرعية المرتبطة بعمليات الذبح. وهي حيثيات لا يمكن تجاهلها، خاصة إذا كانت تلك المسالخ بالفعل تفتقر إلى المياه الكافية، وأنظمة الصرف السليم، وآليات التخلص من المخلفات، فضلاً عن ضعف معايير النظافة والتطهير.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبررات القرار، بل في طريقة تقديمه للرأي العام. فالتصريحات التي أدلت بها الدكتورة لبنى جعفر، مساعد المدير العام، رغم أهميتها، لم تُجب على السؤال الأهم: أين تقرير اللجنة الكامل؟ ولماذا لم يُنشر للرأي العام؟
هنا تحديداً تبدأ مساحة الشك. فهذه المسالخ، التي أُغلقت بحجة مخالفة الاشتراطات، لم تنشأ في فراغ، بل حصلت في وقت سابق على تصاريح رسمية للعمل في مواقعها الحالية من ذات السلطات. وهذا يطرح تساؤلات مشروعة: هل تغيرت الاشتراطات فجأة؟ أم أن الرقابة كانت غائبة طوال الفترة الماضية؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى غير معلنة؟
إن الحديث عن مخالفات مثل وجود المسالخ داخل مناطق سكنية، أو عدم استيفاء شرط المساحة (أقل من 5 أفدنة)، أو غياب أنظمة إدارة النفايات، كلها أمور – إن صحت – تعكس خللاً تراكمياً في التخطيط والرقابة، لا يمكن تحميله بالكامل للمشغلين وحدهم دون مراجعة دور الجهات التنظيمية نفسها.
ثم إن التحديات البيئية والصحية المذكورة، مثل تسرب المياه ، وتلوث المياه الجوفية، وانتشار الروائح الكريهة، وتكاثر الحشرات، كلها مؤشرات مقلقة تستدعي التدخل، لكن هذا التدخل يجب أن يكون مصحوباً بخارطة طريق واضحة: ماذا بعد الإغلاق؟ وكيف سيتم تعويض النقص؟ وما هي البدائل المتاحة لصغار العاملين في هذا القطاع؟
ورغم وجاهة هذه المبررات، فإن القرار – بصيغته الحالية – قد يفتح الباب واسعاً أمام تفاقم ظاهرة الذبح خارج الأطر القانونية والشرعية، وهي ظاهرة لم تكن غائبة أصلاً عن مشهد الخرطوم قبل الإغلاق، بل يُخشى أن تتضاعف مع تضييق الخيارات أمام العاملين في القطاع. فحين تُغلق المسالخ دون توفير بدائل عملية وسريعة، يتحول النشاط تلقائياً إلى مسارات غير منظمة، بما يحمله ذلك من مخاطر صحية وشرعية أكبر من تلك التي سعى القرار لمعالجتها.
كما أن الإغلاق الفوري “بالضبة والمفتاح” يطرح إشكالية العدالة الاقتصادية، إذ تكبّد أصحاب هذه المسالخ خسائر فادحة، رغم أنهم كانوا يعملون بتصاريح رسمية صادرة من الجهات ذاتها. وكان من الأجدى – وربما الأكثر توازناً – أن تمنح وزارة الزراعة والري بولاية الخرطوم فترة سماح محددة ومعلنة، تُمكّن المشغلين من توفيق أوضاعهم والاستجابة للاشتراطات المطلوبة، بدلاً من فرض معايير بدت – في نظر كثيرين – وكأنها “هبطت فجأة” دون تمهيد أو إشراك حقيقي لأصحاب المصلحة.
صحيح أن هناك مسالخ كبيرة يمكن أن تغطي الحاجة، كما تشير التقديرات، لكن ضمان استمرارية الإمداد يتطلب أيضاً ضبط رسوم الذبح حتى لا يدفع ارتفاعها إلى انتشار الذبح العشوائي، وهو ما قد يعيد المشكلة بشكل أكثر خطورة.
الأهم من ذلك كله، أن نشر تقرير اللجنة للرأي العام أصبح ضرورة. فالشفافية هي صمام أمان يحمي القرار نفسه من التسييس والتأويل، خاصة في ظل أحاديث متزايدة تربط الإغلاق بمصالح أو ترتيبات غير معلنة.
إن إصلاح قطاع المسالخ في الخرطوم خطوة مطلوبة وملحة، لكن نجاحها لا يقاس فقط بقرارات الإغلاق، بل بقدرتها على كسب ثقة المواطنين، وتحقيق العدالة بين جميع الأطراف، وفتح الباب أمام استثمارات جديدة تلتزم بالمواصفات الصحية والبيئية والشرعية.