الكتلة الديمقراطية بين لحظة التوافق واختبار الفعل
الكتلة الديمقراطية بين لحظة التوافق واختبار الفعل
بقلم : محيي الدين شجر
بدا اجتماع الكتلة الديمقراطية الأخير في بورتسودان مختلفاً عن سابقاته؛ ليس من حيث الحضور النوعي وانضمام قيادات جديدة، بل أيضاً من حيث مستوى التوافق الذي ظهر لأول مرة بصورة لافتة بين مكوناتها. هذا التوافق، وإن كان لا يزال في طور البدايات، يطرح سؤالاً مهماً: هل نحن أمام تحول حقيقي في أداء الكتلة، أم مجرد لحظة سياسية عابرة فرضتها ظروف المرحلة؟
المؤشرات الأولية تحمل قدراً من الإيجابية. ماذكره رئيس الكتلة، جعفر الميرغني، عن أن “السودان لن يموت” وأن الخرطوم ستعود للحياة، يعكس محاولة لبث روح جديدة في المشهد العام، خاصة مع الإشارة إلى عودة الطلاب للامتحانات والحراك السياسي والدبلوماسي. كما أن الربط بين هذه التطورات ومبادرات الحل وزيارات القيادة السياسية للخارج يوحي بوجود قراءة أكثر شمولاً لتعقيدات الأزمة.
لكن الأهم من الخطاب هو ما وراءه. دعوة الميرغني لوحدة الصف الوطني، وإقراره بالحاجة إلى تطوير العمل السياسي وبناء المؤسسات، تمثل اعترافاً ضمنياً بأن الأزمة ليست في الواقع السياسي، بل في أدوات إدارته أيضاً. وهذا الاعتراف، إن تُرجم إلى خطوات عملية، يمكن أن يشكل نقطة انطلاق حقيقية.
من جانبه، طرح مالك عقار رؤية أكثر صراحة، حين أشار إلى أزمة التعدد الحزبي غير المنتج، ووجود أحزاب لا تعكس وزناً حقيقياً، فضلاً عن انتقاده لمن يستغلون الديمقراطية لتحقيق مصالح شخصية. هذا الطرح، رغم حدته، يلامس جوهر المشكلة السياسية في السودان: غياب الممارسة الديمقراطية الحقيقية داخل الكيانات نفسها، قبل الحديث عن تطبيقها على مستوى الدولة.
أما حديث مني أركو مناوي حول ضرورة وجود الكتلة في هذه المرحلة، وتحذيره من “ذبح السودان”، فيعكس إدراكاً لحجم التحديات، لكنه في الوقت ذاته يضع الكتلة أمام مسؤولية مضاعفة: أن تكون جزءاً من الحل، لا منصة للخطاب السياسي.
اللافت أيضاً هو إجازة النظام الأساسي للكتلة، وقبول انضمام قيادات جديدة مثل حسن هلال وعبد الرحمن الصادق المهدي. هذه الخطوة تعكس توجهاً نحو توسيع القاعدة السياسية، لكنها تطرح تساؤلاً موازياً: هل هذا التوسع سيعزز الفاعلية، أم سيضيف مزيداً من التعقيد إلى مشهد سياسي يعاني أصلاً من التشتت؟
الكتلة تحدثت بوضوح عن السلام، والحوار السوداني–السوداني، ورفض المساس بوحدة البلاد، وهي ثوابت لا يَنْتَطِحُ فيها عَنْزَان” لكنها في المقابل مطالبة بتقديم ما هو أكثر من الشعارات: آليات واضحة، جداول زمنية، ومواقف عملية يمكن قياسها على أرض الواقع.
التحدي الحقيقي أمام الكتلة الديمقراطية اليوم في قدرتها على تحويل هذا “التوافق الظاهر” إلى برنامج عمل حقيقي يلامس قضايا المواطن: الأمن، الغذاء، الصحة، والتعليم. فكما قال الميرغني نفسه، لا قيمة لأي اجتماع لا ينعكس على حياة الناس.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من المنصات السياسية، بل إلى إرادة حقيقية تُحسن إدارة التنوع، وتعيد بناء الثقة بين القوى المختلفة. وإذا كانت الكتلة الديمقراطية قد نجحت في تقديم صورة متماسكة هذه المرة، فإن الامتحان الحقيقي يبدأ الآن: هل تستطيع الحفاظ على هذا التماسك، وترجمته إلى فعل سياسي مؤثر؟
في النهاية، يمكن القول إن ما جرى في بورتسودان يمثل فرصة، لكنه ليس إنجازاً في حد ذاته. الفرص في السودان كثيرة، لكن ما ينقص هو القدرة على تحويلها إلى واقع.