حوار / والي نهر النيل يكشف سر الطفرة الاقتصادية والاستثمارية المدهشة بالولاية (1)
حوار / والي نهر النيل يكشف سر الطفرة الاقتصادية والاستثمارية المدهشة بالولاية (1)

حوار : محيي الدين شجر
في ظل التحولات الكبيرة التي شهدتها الولايات السودانية عقب الحرب، برزت ولاية نهر النيل كنموذج لافت في جذب الاستثمارات وتحريك عجلة الإنتاج. طفرة صناعية غير مسبوقة، ومشروعات تنموية امتدت آثارها إلى المجتمع المحلي، جعلت من الولاية قبلة للمستثمرين ومثالًا يُحتذى به في إدارة الموارد والتخطيط الاقتصادي.
في هذا الحوار، يفتح والي نهر النيل، محمد البدوي عبد الماجد أبو قرون، ملفات الاستثمار، والأراضي، والتعدين، والخدمات، كاشفًا عن أسرار النجاح، والتحديات، وخطط المرحلة المقبلة.
س: لفتت الأنظار الاستثمارات الضخمة والمصانع التي أُنشئت حديثًا بالولاية، كيف تمكنتم من تجاوز عقبة الأراضي التي تُعد من أكبر معوقات الاستثمار في السودان؟ وما سر هذا النجاح؟
ج:
نحن في ولاية نهر النيل لا نتعامل إلا مع الأراضي الحكومية التابعة للدولة، ونعمل وفق قانون الأراضي، ما أتاح لنا تجاوز التعقيدات المعروفة في هذا الملف.
اعتمدنا كذلك نظام “النافذة الواحدة”، بحيث يحصل المستثمر على جميع الخدمات في مكان واحد دون عناء التنقل بين المؤسسات. اليوم، وصلنا إلى نحو 350 مصنعًا، ولا تزال الطلبات تتدفق.
بل إن بعض المستثمرين توسعوا بشكل لافت، مثل أحد المصانع الذي بدأ بمشروع واحد وأصبح يمتلك أكثر من 11 مصنعًا. كما تحولت مناطق كانت صحراء، مثل كبوشية، إلى مناطق صناعية نابضة بالحياة. هذا هو سر النجاح: تسهيل الإجراءات، والوضوح، والالتزام.
س: هل هذه الاستثمارات ناجحة فعليًا على أرض الواقع؟ وما الإجراءات التي اتخذتموها لجذب هذا العدد الكبير من المستثمرين؟
ج:
نعم، المصانع الآن منتجة وتعمل بكفاءة. منذ البداية، خططنا لمناطق استثمارية في أراضٍ حكومية خالية مثل القولي، الدامر، وغرب بربر.
لدينا اليوم صناعات متنوعة تشمل الحديد، الألبان، البلاستيك، الأحذية وغيرها، ومن بينها مصنع “مودا” للحديد الذي يُعد من الأكبر في أفريقيا.
قدمنا حوافز مشجعة، أبرزها تخفيض الرسوم بنسبة 30% منذ بداية الاستثمار، إلى جانب توفير بيئة مرحبة بالمستثمرين. كما أسهم الترويج عبر الملتقى الاقتصادي بحضور الفريق إبراهيم جابر في انطلاقة حقيقية للاستثمار بالولاية.
س: ما أثر هذه الطفرة الاستثمارية على إنسان الولاية؟
ج:
الأثر كان كبيرًا جدًا. قبل هذه النهضة، كان لدينا نحو 37,500 خريج عاطل عن العمل، واليوم نستطيع القول إن نحو 60% منهم التحقوا بسوق العمل داخل المصانع.
تراجعت معدلات البطالة بشكل ملحوظ، واختفت الاحتجاجات التي كانت بسبب عدم التوظيف، وبدأ الشباب في بناء حياة مستقرة.
س: وماذا عن انعكاس ذلك على المحليات؟
ج:
تحسنت إيرادات المحليات بشكل كبير، بعد أن كانت محدودة للغاية. الآن أصبحت لديها موارد تمكنها من تقديم خدمات حقيقية في الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق.
نستعد قريبًا لافتتاح مشروعات خدمية في أبو حمد ومنطقة البحيرة، حيث ارتفع عدد مراكز التوليد من مركز واحد إلى 10 مراكز.
س: حدثنا عن إنتاج القمح والمخزون الاستراتيجي بالولاية؟
ج:
قمنا بإدخال 10 آلاف طن من القمح للمطاحن في عطبرة، ولدينا 17 ألف طن أخرى للتقاوي والتخزين.
كما حُدد السعر التشجيعي للأردب بـ145، وقدمنا دعمًا مباشرًا للمواطنين عبر توزيع جوال قمح لكل أسرة من محدودي الدخل، إلى جانب دعم صغار المزارعين عبر التمويل الأصغر.
س: ماذا عن خدمات المياه في الولاية؟
ج:
حققنا تقدمًا كبيرًا في هذا الملف، حيث دعمتنا المملكة العربية السعودية بـ25 بئرًا، والصين بـ20 بئرًا، جميعها مكتملة التجهيز.
تبقت فقط بعض القرى جنوب شندي، ولدينا دراسات لمعالجة احتياجاتها باستخدام الطاقة الشمسية.
س: استضافت الولاية أعدادًا كبيرة من النازحين، كيف تعاملتم مع هذا التحدي؟
ج:
استضفنا نحو مليون و800 ألف نازح، وكان ذلك تحديًا كبيرًا، لكن بتعاون المواطنين والقطاع الخاص، خاصة شركة “زادنا”، استطعنا تجاوز الأزمة دون تأثير كبير على الخدمات.
بعض النازحين عادوا إلى مناطقهم، وآخرون استقروا في الولاية واندمجوا في المجتمع. أما برامج العودة الطوعية فما زالت مستمرة، خاصة للطلاب.
س: ماذا عن جهود مكافحة حمى الضنك؟
ج:
أطلقنا حملات واسعة لمكافحة المرض، بدعم من وزارة الصحة التي وفرت معدات وعربات، إلى جانب استخدام الطيران في عمليات الرش.
بلغت الإصابات نحو 6 آلاف حالة، توفي منها 12 فقط، ومعظمها حالات وافدة. ونعمل حتى إعلان الولاية خالية من الأوبئة.
س: ملف التعدين العشوائي يمثل تحديًا كبيرًا، كيف تعاملتم معه؟
ج:
عالجنا مخلفات التعدين السامة داخل الأحياء، وقمنا بتوعية المواطنين بخطورتها. كما فرضنا ضوابط صارمة، منها إبعاد التعدين عن القرى لمسافة 25 كيلومترًا ومنع استخدام المواد السامة في المياه والزراعة.
أنشأنا معملًا بيئيًا لمراقبة النشاط، ونعمل على تنظيم التعدين عبر تحويل المعدنين التقليديين إلى شركات للحد من الفوضى والتهريب.
س: هل دخلت شركات جديدة في قطاع التعدين بعد الحرب؟
ج:
نعم، دخلت شركات عديدة، منها شركات امتياز وأخرى وطنية صغيرة. لكن التحدي الأكبر لا يزال في التعدين الأهلي الذي يمثل 80% من النشاط.
نسعى لتنظيمه عبر تكوين شركات وجمعيات، خاصة أن لدينا أكثر من 800 جمعية زراعية ناجحة يمكن البناء على تجربتها.
س: ما أبرز التحديات في قطاع التعدين؟
ج:
ضعف الإمكانيات التقنية، خاصة في المراقبة، مما يسهم في تهريب الذهب. نحتاج إلى تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة.
كما نطالب بإنشاء نافذة تصدير للذهب داخل الولاية بدلًا من حصرها في بورتسودان، نظرًا لأن نهر النيل تمثل نحو 70% من إنتاج التعدين في البلاد.
س: ماذا عن خططكم المستقبلية؟
ج:
نعمل على تطوير قطاع السياحة وتغيير نمطه في الولاية، ونتوقع أن تصبح نهر النيل وجهة جاذبة للسياح الأجانب قريبًا، إلى جانب مواصلة دعم الاستثمار والإنتاج.
أزمة الميناء البري كيف تعاملتم معها؟
نعم تدخلنا في هذه الأزمة وانهينا الخلاف مع غرفة البصات السفرية بالولاية واصدرنا ثماني توجيهات ونواصل