الشهادة السودانية بين التاريخ والتحديات الأمنية
رأي/ سودان سوا
بدأت فكرة امتحان الشهادة السودانية بعد استقلال السودان عام 1956، حين اتجهت الدولة لإنشاء نظام تعليمي وطني بدلاً من الامتحانات الأجنبية. وقد اختص اسم “الشهادة السودانية” بهذا الامتحان دون غيره، إذ لا توجد شهادة أخرى في السودان تحمل هذا الاسم، وذلك لأهميته الكبيرة لارتباطه بمرحلة عمرية حاسمة تمثل أهم شريحة في المجتمع. كما أن الشهادة السودانية معترف بها دولياً، وتُعد من أميز الشهادات في العالمين العربي والأجنبي، حيث يتم القبول بها في الجامعات الوطنية والعالمية على حد سواء، تحت إشراف وزارة التربية والتعليم السودانية.
وقد حاولت بعض الجهات المعارضة زعزعة الثقة في امتحان الشهادة السودانية، عبر محاولات لتسريب أو كشف الامتحانات. وتُعد من أشهر هذه الحوادث ما وقع قبل نحو 54 عامًا، حيث في عام 1972 تفاجأ طلاب ممتحنون بمدرسة مروي الثانوية للبنين، في اليوم الأخير للامتحانات، بحدوث اضطراب في توزيع أوراق الامتحان، مما أثار الشكوك حول تسريبها. وعند إبلاغ المراقبين، طُلب من الطلاب التزام الهدوء، مع انتشار أنباء عن كشف الامتحانات. وفي تلك الفترة، وُجهت اتهامات إلى عناصر مرتبطة بـ الحزب الشيوعي السوداني بسرقة الامتحانات في الخرطوم، حيث قامت أجهزة الأمن في عهد جعفر نميري بالقبض على عدد من العاملين بالمطبعة الحكومية وبعض الطلاب، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة عام مع التغريب من العاصمة، كما أُعيدت الامتحانات بعد ثلاثة أشهر في العام ذاته، ولا شك أن إعادة الامتحانات كاملة قد أثّرت على كثير من الطلاب الممتحنين وعلى أدائهم النفسي والعلمي، ومن بينهم كاتب هذه السطور، لما صاحب ذلك من توتر وضغط بعد تجربة امتحانية مضطربة.
وفي سنوات الحرب الأخيرة، ظلت امتحانات الشهادة السودانية هدفًا لمحاولات متعددة من بعض المليشيات وأذرعها داخل البلاد وخارجها، حيث نشطت هذه الجهات، بدعم مادي ولوجستي خارجي، في محاولة لكشف الامتحانات أو تسريبها. إلا أن السلطات المختصة واجهت هذه المحاولات بإجراءات حماية مشددة وتدابير أمنية محكمة، رغم كثافة المحاولات وتعدد أساليبها، ومن بينها قطع خدمة الإنترنت من الظهر حتى المساء يوميًا خلال ساعات الامتحانات لمنع أي تسريب، إلى جانب سحب الهواتف النقالة من الممتحنين والمراقبين لضمان نزاهة الامتحانات.
وقد ظهرت كذلك منشورات على بعض المنصات والمواقع الإلكترونية تحمل اسم “الشهادة السودانية”، تضمنت صورًا لامتحانات قيل إنها مسرّبة، شملت مواد مثل الرياضيات واللغة الإنجليزية، مما أثار العديد من التساؤلات، من بينها: هل كان الاكتفاء بقطع الإنترنت إجراءً كافيًا؟ وما الذي كانت تخشاه السلطات من استمرار الاتصال أثناء الامتحانات؟ ولماذا تُطبق هذه الإجراءات محليًا بينما يظل الوصول إلى الإنترنت متاحًا في دول أخرى لا يمكن فيها قطع الخدمة مثل مصر والسعودية؟ كما طُرحت تساؤلات حول إمكانية تتبع ومعاقبة الجهات التي تنشر مثل هذه المواد المشككة في الامتحانات، في ظل التطور التقني والأمني، خاصة أن تتبع شرائح الاتصال ومصادر النشر يُعد من أدوات الأمن المعلوماتي المعروفة.
عمار سيداحمد شليعة
معلم سابق
عامل سابق بوزارة المعادن