ضفاف/ نصر الدين بخيت العقابي : محمد ميرغني… سيرة رجل حين تمشي على الأرض تمشي معها المعاني

ضفاف
نصر الدين بخيت العقابي

محمد ميرغني… سيرة رجل حين تمشي على الأرض تمشي معها المعاني

في وطنٍ كثيرُ الضجيج، قليلُ الثبات، تظهر بين الحين والآخر قاماتٌ لا تحتاج إلى إعلان، ولا تفتقر إلى تعريف، لأن حضورها يسبق أسماءها، وأثرها يمهد الطريق لذكراها. هناك، في عمق الشمال، من أرض الدبة، من قرية جرا التي تعرف كيف تُنجب الرجال حين تضيق البلاد برجالها، خرج محمد ميرغني… لا كاسمٍ يُذكر في عناوين الأخبار، بل كحكاية ممتدة، تشبه النيل حين يفيض، وتشبه النخيل حين يشتد عوده في وجه الريح.
محمد ميرغني لم يكن رجل سياسة بالمعنى التقليدي الذي يختصر الطريق في المناصب، بل كان مشروع إنسان تشكّل على مهل، بدأ معلماً، يزرع الحروف في عقول الصغار، ويغرس القيم في صدورهم، ثم مضى إلى فضاء أوسع، حين أدرك أن الوطن نفسه يحتاج إلى من يعلّمه، إلى من يشرح له دروس التماسك، ويعيد ترتيب أولوياته وسط الفوضى.
منذ سبعينيات القرن الماضي، حين اختار أن يتفرغ للعمل السياسي، لم يكن دافعه سلطة، ولا سعيه نفوذ، بل كان انحيازاً صريحاً للناس، للوجوه التي لا تملك صوتاً، للأحلام المؤجلة في القرى البعيدة، للآمال التي تذبل حين لا تجد من يحملها إلى الضوء. هناك، بدأ الرجل رحلته الحقيقية، لا كسياسي فقط، بل كضمير يتحرك في الجغرافيا السودانية.
كان حكيماً… والحكمة عنده ليست كلمات تُقال، بل مواقف تُصنع. يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، متى يتحدث، ومتى يترك للصمت أن يقول ما لا يُقال. جراب رأيٍ لا ينضب، يزن الأمور بميزانٍ لا يختل، يرى ما وراء الحدث، ويقرأ ما بين السطور، كأن السياسة عنده ليست ساحة صراع، بل ميدان فهم عميق لتعقيدات البشر.
وكان دبلوماسياً بطبعه… لا يرفع صوته، لكنه يصل إلى حيث يريد. يفتح الأبواب المغلقة بابتسامة، ويعبر الأزمات بعقلٍ بارد وقلبٍ حاضر. يعرف أن الكلمة حين تُقال في وقتها قد تختصر مسافاتٍ من الخلاف، وأن اليد الممدودة في اللحظة الصحيحة قد تُنقذ ما تبقى من العلاقات.
ورغم كل ذلك، ظل قريباً من الناس… لم تصنعه المكاتب، ولم تعزله المنصات. تجده في المناسبات، في الأفراح والأتراح، بين البسطاء، يجلس كما يجلسون، ويتحدث بلغتهم، ويشعر بما يشعرون. تواضعه لم يكن سلوكاً متكلّفاً، بل جزءاً من تكوينه، من تلك البيئة التي تعلّمه أن القيمة الحقيقية للإنسان في قربه من الآخرين، لا في ارتفاعه فوقهم.
ساعد آلاف الناس… لا ينتظر شكراً، ولا يدوّن معروفاً. يعطي لأن العطاء عنده واجب، لا منّة. يمد يده لمن يحتاج، ويقف مع من تعثر، ويبحث عن الحلول حيث يعجز الآخرون. وفي كل ذلك، كان يرى أن خدمة الناس ليست باباً للسياسة، بل غاية السياسة نفسها.
يمتلك دهاءً لا ينفصل عن أخلاق، وذكاءً لا يتعارض مع نزاهة، وحكمةً لا تنحاز إلا للحق. يعرف كيف يدير المعركة حين تشتد، وكيف ينسحب منها حين تتحول إلى عبث. لا تغريه الانتصارات السريعة، ولا ترهبه الخسارات المؤقتة، لأنه ينظر إلى الصورة الكاملة، إلى ما سيبقى بعد أن تهدأ العاصفة.
اليوم، وهو يمر بابتلاء الإصابة، كسرٌ ، لا يلامس جوهره الصلب، يقف الناس حوله كما وقف هو معهم. الدعوات تسبقه، والمحبة تحيط به، لأن الرجال الحقيقيين لا يُقاسون بقوة أجسادهم، بل بما تركوه في قلوب الآخرين من أثر.
وفي ختام الحكاية… لا نقف أمام اسمٍ مرّ على صفحات الأيام، بل أمام رجلٍ كتب نفسه في قلوب الناس قبل أن يُكتب في دفاتر السياسة. محمد ميرغني ليس اسمًا عابراً، بل أثرٌ حيٌّ يمشي بيننا، يذكّرنا أن العظمة لا تُصنع بالصوت العالي، بل بالفعل الصادق، وأن الرجال الحقيقيين يُعرفون حين تضيق الطرق، لا حين تتسع.
يا محمد ميرغني… وأنت تعبر هذا الابتلاء، اعلم أن خلفك قلوباً تدعو، وأمامك طريقاً لا يُغلق، لأن من زرع في الناس خيراً، حصد منهم وفاءً لا ينقطع. ستنهض… كما عودتنا، أكثر صلابة، وأكثر حضوراً، لأن الكسور التي تصيب الجسد لا تنال من روحٍ اعتادت أن تقف شامخة.
ستبقى… ما بقيت الحكايات تُروى، وما بقي في هذا الوطن من يؤمن أن السياسة يمكن أن تكون شرفاً، وأن الإنسان يمكن أن يكون وطناً صغيراً يسع الجميع.