وفاته تشعل الجدل / د. ضياء العوضي.. بين الصواب والخطأ

بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

د. ضياء العوضي.. بين الصواب والخطأ

في الأيام التي أعقبت وفاة د. ضياء الدين العوضي، كثر في الوسائط الإعلامية ومواقع التواصل الحديث عن موته: أكان موتًا طبيعيًا أم اغتيالًا؟ واتسعت دوائر الجدل، وتناسلت الروايات، ومال كثير من الناس إلى تتبع الملابسات والاحتمالات أكثر من ميلهم إلى فحص أفكاره نفسها وتمحيص ما كان يدعو إليه. غير أن الإنصاف يقتضي، مع التسليم بما أثارته وفاته من ضجة واسعة، ألا نقف طويلًا عند دائرة الإثارة، بل أن نردّ الأمر إلى ميزان الحق، فنزن الرجل بطرحه، وننظر في أقواله في الغذاء والصحة نظرًا علميًا منضبطًا، يميز بين ما أصاب فيه وما أخطأ.
لم يكن د. ضياء الدين العوضي اسمًا عابرًا في المجال الطبي والإعلامي في مصر، بل أصبح في سنوات قليلة اسمًا مثيرًا للجدل، تتجاذبه طائفةٌ رأت فيه صاحب طرحٍ مختلف، وطائفةٌ أخرى رأت فيه مثالًا صارخًا على تجاوز حدود العلم المنضبط. وُلد عام 1979، وتخرّج في كلية الطب بجامعة عين شمس، وبدأ عمله في التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، ثم اتجه لاحقًا إلى التغذية العلاجية والطب الوقائي، وهناك بدأ حضوره الجماهيري الأوسع، قبل أن يدخل في صدامٍ متصاعد مع المؤسسات الطبية والنقابية، انتهى بشطبه من نقابة الأطباء. ثم جاءت وفاته المفاجئة في دبي في أبريل 2026، قبل أن تعلن وزارة الخارجية المصرية أن التقرير الطبي الصادر عن السلطات الإماراتية أثبت أن الوفاة كانت طبيعية بسبب جلطة مفاجئة بالقلب، دون شبهة جنائية.
وقد ارتبط اسم الرجل بما عُرف بـ “نظام الطيبات”، وهو طرحٌ غذائي قدّمه بوصفه طريقًا للإصلاح الصحي، واشتهر عنه صحفيًا أنه يدعو فيه إلى تصورات غير مألوفة، من أبرزها التقليل من شرب الماء، وترك الخضروات أو التقليل منها، والتوسع في النظر المتسامح إلى السكر والنشويات، مع طرحٍ آخر لا يقل غرابة، وهو التهوين من أضرار التدخين، بل نُسب إليه صحفيًا القول إن التدخين ليس ضارًا بالضرورة. وهذه النقاط هي التي جعلت اسمه حاضرًا في قلب العاصفة؛ لأن الخلاف هنا لم يعد خلافًا في ذوقٍ غذائي أو اجتهادٍ جزئي، بل صار متعلقًا بمسائل تمس صحة الناس مباشرة.
ومع التسليم بأن جملةً من الدعوات التي كان يطرحها د. ضياء الدين العوضي، رحمه الله، في باب الغذاء والصحة، في أصلها، دعواتٌ صحيحة ونافعة بلا ريب، كالدعوة إلى مراجعة العادات الغذائية الرديئة، وعدم الاستسلام للفوضى الاستهلاكية، وعدم التوسع في استعمال العقاقير الصيدلانية، والتركيز على الغذاء الصحي المتوازن؛ فإنني، عن نفسي شخصيًا، أرى في هذا الأصل قدرًا كبيرًا من الصواب، بل إني منذ عشرات السنين تركت استعمال السكر الأبيض ومشتقاته في الحلويات والمشروبات الغازية والعصائر، وأتحاشى، بقدر ما أستطيع، الخبز الأبيض، معتمدًا بدلًا منه على حبوب الدخن والذرة الرفيعة الكاملة في صورة الكسرة ونحوها، كما أنني أنأى عن العقاقير الصيدلانية إلا في حال الضرورة القاهرة، ولا أذكر أنني استعملت في حياتي كلها مسكنًا، وربما كان مجموع ما دخل جوفي من تلك العقاقير طوال حياتي لا يجاوز أصابع اليد، اعتمادًا، بعد الله تعالى، على البدائل الطبيعية، وما أكثرها وما أنفعها. غير أن الإقرار بصحة هذا الأصل لا يعني التسليم بكل ما ذهب إليه الرجل؛ إذ إنه قد أخطأ خطأً فاحشًا بيّنًا حين نفى الضرر عن السكر الأبيض نفيًا مطلقًا، وحين نفى النفع عن لحم الدجاج وبيضه نفيًا عامًا، وحين دعا إلى تقليل الماء وترك الخضروات، وحين هوّن من شأن التبغ والدخان والسجائر والشيشة؛ لأن هذه الإطلاقات لا يعضدها التحقيق العلمي، ولا ينهض لها دليل صحيح، بل تعارض ما يؤكده العلم الراسخ تعارضًا ظاهرًا.
فالصورة العلمية المستقرة أن الماء ضرورة أساسية للبدن، وأن قلة السوائل تُفضي إلى الجفاف، ومن علامات الجفاف: العطش، وقلة البول، وغمق لونه، والدوخة، والتعب، وجفاف الفم واللسان، وقد تشتد الحال إلى اضطراب النبض والتشوّش والإعياء. كما أن الماء ليس أمرًا ثانويًا في الصحة، بل هو عنصر لازم لحفظ التوازن الحيوي، ووظائف الدورة الدموية، ونقل المغذيات، وتنظيم الحرارة.
وكذلك فإن الخضروات ليست زائدةً يمكن الاستغناء عنها بإطلاق، بل هي من أهم مصادر الفيتامينات والمعادن والألياف، وتسهم في صحة الجهاز الهضمي، وتقليل الإمساك، وخفض مخاطر أمراض القلب والسكتة وبعض السرطانات، فضلًا عن إسهام كثيرٍ منها في الترطيب نفسه لارتفاع محتواها المائي. ومن ثم فإن الدعوة العامة إلى ترك الخضروات أو التهوين من شأنها دعوةٌ مضادة لما استقرت عليه مبادئ التغذية السليمة.
وأما السكر الأبيض، فإن الخطأ في الدفاع المطلق عنه ظاهر أيضًا؛ لأن المشكلة في السكر الأبيض ليست في أصل مادته الخام، سواء أكان مستخرجًا من قصب السكر أم من بنجر السكر؛ فالأصل النباتي في ذاته ليس هو موضع الإشكال، وإنما موضع الإشكال الحقيقي هو ما يمر به هذا السكر، في كثير من المصانع، من سلسلة طويلة من عمليات المعالجة والتنقية والتكرير، وما قد يصاحبها من إضافات ومواد مساعدة ووسائط تشغيلية مختلفة. فلو أمكن استخراجه في صورة طبيعية خالصة من غير هذه المعالجات المعقدة، لكان النظر فيه مختلفًا، ولكن الواقع الصناعي المعتاد في إنتاج السكر الأبيض يقوم على استعمال طيف واسع من المواد خلال مراحل الاستخلاص والتوضيح والترسيب والترشيح ونزع اللون والتبلور والتجفيف والمناولة. ومن ذلك الماء، وبخار الماء، والجير بصوره المختلفة مثل أكسيد الكالسيوم وهيدروكسيد الكالسيوم ولبن الجير، وثاني أكسيد الكربون في عمليات الكربنة، وثاني أكسيد الكبريت في عمليات الكبريتة أو السلفتة، وحمض الفوسفوريك. وقد تُستعمل كذلك أحماض تشغيلية أو تنظيفية أخرى مثل حمض الكبريتيك وحمض الهيدروكلوريك وحمض النتريك وحمض الستريك في بعض التطبيقات الصناعية أو في تنظيف المعدات، كما قد تُستخدم الصودا الكاوية ومواد قلوية أخرى لضبط الوسط أو التنظيف، وتُستعمل مواد الترويق والتخثير والتلبيد مثل البوليمرات المروقة ومواد الفلوكولانت وبولي أكريلاميد ونظائره، وقد تستعمل بعض المصانع الشب أو بعض أملاح الألومنيوم أو الحديد في ظروف معينة، كما تُستخدم مواد مساعدة للترشيح مثل التراب الدياتومي والبيرلايت، وتُستعمل في إزالة اللون والشوائب العضوية مواد مثل الكربون النشط والفحم العظمي في بعض المصافي وراتنجات التبادل الأيوني، وقد تُضاف مانعات للرغوة عند الحاجة، ومنها بعض مركبات الزيوت أو الشموع أو مشتقات السيليكون المخصصة غذائيًا، كما قد تُستعمل مواد مساعدة للتبلور والتحكم في نمو البلورات، فضلًا عن مواد التنظيف والتعقيم الصناعي الداخلة في الدورة التشغيلية، مثل الكلور ومركباته أو فوق أكسيد الهيدروجين أو غير ذلك في بعض أنظمة الغسل والتنظيف.
ومن ثم فإن تصوير السكر الأبيض على أنه مجرد عصارة قصب أو بنجر جُففت فقط تصويرٌ غير مطابق للواقع الصناعي. ولهذا فإن الاحتجاج على سلامته المطلقة بأنه استُعمل موضعيًا على بعض الجروح فأدى إلى الحد من البكتيريا أو إلى جفاف الموضع وشفائه، احتجاجٌ غير مستقيم؛ لأن النفع الموضعي العارض في بعض الصور، حتى إذا سلّمنا بصحته، لا يساوي أبدًا الحكم بسلامة الاستعمال الغذائي الدائم، ولا يكفي وحده لنفي ما يثار حول آثاره الأيضية والتراكمية عند كثرة تناوله.
وأما قوله في الدجاج والبيض، فإنه أيضًا غير مستقيم بإطلاقه؛ لأن المشكلة ليست في الدجاج والبيض أنفسهما، فهما في الأصل من الأغذية المعروفة النافعة، ولا يصح نفي قيمتهما أو منفعتهما بإطلاق، ولا يصح جعل عدم نقل أنه صلى الله عليه وسلم ذبح لأحد دجاجةً دليلًا على نفي النفع؛ لأن هذا ليس دليلًا لا شرعًا ولا عقلًا. بل قد ذكر الله تعالى الطير في سياق النعمة العظمى فقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21]، فعدَّ لحم الطير من النعيم الذي يتلذذ به أهل الجنة، وهذا في نفسه كافٍ في إبطال دعوى تحقيره أو نفي خيره.
وثبت في السنة الصحيحة صراحةً أكل النبي صلى الله عليه وسلم للدجاج؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأكلُ دجاجًا» رواه البخاري. وثبت أيضًا عن زهدم الجرمي قال: «كنا عند أبي موسى الأشعري فدعا بمائدة وعليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي، فقال له: هلم، فتلكأ، فقال له: هلم، فإني رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأكلُ منه» رواه البخاري. فهذا نص صحيح صريح في أن الدجاج كان يؤكل في الدنيا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أكله بنفسه، فلا يصح بعد ذلك نفي نفعه بإطلاق.
وأما البيض، فمع أنه لم يثبت، فيما أعلم، حديث صحيح صريح ينص على أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل بيض الدجاج بعينه، فإن ذكره في الحديث الصحيح يدل على أنه كان معروفًا في جملة ما يتقرب به من الطيبات المعتبرة عند الناس؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يومُ الجمعةِ وقفتِ الملائكةُ على بابِ المسجدِ يكتبون الأولَ فالأولَ، ومَثَلُ المُهَجِّرِ كمثلِ الذي يُهدي بدنةً، ثم كالذي يُهدي بقرةً، ثم كبشًا، ثم دجاجةً، ثم بيضةً، فإذا خرج الإمامُ طووا صحفَهم ويستمعون الذكر» رواه البخاري.
وقد قرر الفقهاء أن بيض الطير تابع لطيره في الحكم، فما كان من طير مأكولٍ فبيضه حلال. ولهذا قال الشافعي: «وما كان من بيض طير يؤكل ففي كل بيضة قيمتها»، وقال الماوردي: «البيض ضربان: مأكول وغير مأكول»، وقال النووي: «البيض من مأكول اللحم طاهر بالإجماع». وهذه عبارات تدل بوضوح على أن بيض الطير المأكول، وفي مقدمته بيض الدجاج، داخل في الجواز عند أهل العلم، وإنما يقع المنع فيما كان من غير مأكول أو فيما عرض له سبب خارج يفسده.
وعلى هذا، فالإشكال الحقيقي ليس في أصل الدجاج والبيض، وإنما في الصورة التجارية والصناعية الفاسدة التي يُنتجان بها في كثير من البيئات الحديثة، حيث تدخل في تربية الدجاج أعلاف مركزة رديئة، وقد تختلط بمكونات ضارة أو ملوثة، وقد تُستعمل ممارسات تفسد جودة اللحم والبيض وتنعكس سلبًا على سلامتهما وقيمتهما الغذائية، فيتحول الخلل من الغذاء نفسه إلى طريقة إنتاجه وتسمينه وتغذيته. ومن هنا فإن الطريق الصحيح لمن أراد الانتفاع بلحم الدجاج وبيضه هو تربية الدجاج البلدي تربيةً نظيفةً منضبطة، يُمنع فيها من أكل القاذورات والنجاسات والفضلات الفاسدة، ولا يُغذى على بقايا الطعام المختلطة الرديئة ولا على ما يفسد لحمه وبيضه، بل تكون تغذيته على الحبوب النظيفة وما يناسبه من العلف الأخضر النافع، مع حفظه في حظيرة أو زريبة تمنعه من السرح العشوائي في المواضع الملوثة، وبذلك يبقى الدجاج والبيض على أصلهما من الجودة والمنفعة، ويكون الخلل مرفوعًا برفع أسبابه.
ثم إن خطأه الأوضح والأشد خطرًا كان في التهوين من أضرار التبغ والدخان والسجائر والشيشة. فهذه ليست مسألة ظنية ولا اجتهادية، بل من أوضح ما حسمه الإجماع العلمي العالمي. فالتبغ عامل خطر رئيسي لأمراض القلب والجهاز التنفسي، ولأكثر من عشرين نوعًا من السرطان، ولا يوجد مستوى آمن للتعرض لدخان التبغ غير المباشر. كما أن تدخين السجائر يضر تقريبًا بكل عضو في الجسم، ويسبب السرطان وأمراض القلب والسكتة وأمراض الرئة والسكري ومضاعفات أخرى متعددة. وأما الشيشة، فليست بديلًا آمنًا كما يتوهم بعض الناس، ولا دليل على أن مرور الدخان بالماء يجعلها آمنة، بل إن تدخين الشيشة يسبب أضرارًا جسيمة للصحة، ولمن يتعرض لدخانها أيضًا. وبذلك يكون تلطيف صورة التدخين أو تصويره على أنه غير ضار مجرد مجازفة فكرية وصحية يعارضها العلم والواقع.
لقد كانت مأساة دكتور ضياء العوضي، في جانب منها، أنه جمع في خطابه بين أشياء صحيحة وأشياء باطلة، فالتبس الأمر على بعض الناس؛ إذ إن الخطاب إذا خالطه شيء من الحق كان أقدر على النفاذ، لكن موضع الخطر أن يُبنى على ذلك قبولٌ لأقوال أخرى لا تثبت، ولا سيما حين تتعلق بصحة الناس وغذائهم ومصائرهم. ومن هنا فإن الإنصاف يقتضي ألا نرمي كل ما قاله في سلة واحدة، كما يقتضي، في الوقت نفسه، ألا نجامل في الباطل الواضح، ولا أن نسكت عن الخطأ الفاحش إذا لُفَّ في ثوب النصيحة أو الإصلاح.
فرحمة الله على الرجل، لكن الرحمة بالموتى لا تعني إخفاء الحق، والعدل في الحكم يقتضي أن نقول: لقد أصاب في بعض الدعوة العامة إلى مراجعة أنماط التغذية الفاسدة، والانسياق غير المنضبط في تناول العقاقير الصيدلانية، لكنه أخطأ في مواضع خطرة، وتجاوز الحد حين أطلق نفي الضرر عن أشياء ثبت ضررها، ونفى النفع عن أشياء لا يصح شرعًا ولا علمًا نفي نفعها بإطلاق.