معركة كهرباء سد مروي..

ملحمة كهرباء سد مروي..
بقلم: محيي الدين شجر
ما بين أزيز المسيّرات وصوت الماء المنساب من بوابات التوليد، تقف سد مروي شاهداً على معركة من نوع مختلف.. معركة لم تُخض بالسلاح وحده، بل بالإرادة والمعرفة والصبر.
حين وصلت إلى محطة كهرباء السد بعد موجات الاستهداف الواسعة، كان المشهد في ذهني مختلفاً. توقعت أن أجد فرقاً أجنبية تتولى عمليات الإصلاح المعقدة، لكن الحقيقة كانت أكثر إدهاشاً: مهندسون وعمال سودانيون، بملابس العمل البسيطة، يقفون بثبات وسط آثار الدمار، يعيدون الحياة إلى ما حاولت الحرب إطفاءه.
في ذات المكان، كان مشهد آخر يختصر الحكاية كلها. أطفال صغار، بعد صلاة المغرب، يحملون أوانيهم الصغيرة للحصول على “رطل لبن”. بدافع الفضول، طلبت من أحدهم أن يحضر لي لبناً، فذهب وعاد سريعاً وهو يقول ببراءة: “يا عمو.. ادوني رطل واحد”. تلك التفاصيل البسيطة كانت أبلغ من أي تقرير.. حياة تستمر رغم كل شيء.
منذ اندلاع الحرب، تعرض قطاع الكهرباء في السودان لاستهداف ممنهج طال (12) محطة توليد ونقل. وكان لسد مروي النصيب الأكبر، حيث تكرر استهدافه أكثر من تسع مرات، شمل المحطة الرئيسية ومحطة الغزالة التحويلية التي خرجت تماماً عن الخدمة. كما تضررت محطات أخرى في السودان مثل أم دباكر، بالنيل الابيض التي تعمل حالياً بقدرة جزئية.
ولم تسلم محطات النقل، من عطبرة إلى سنار وسنجة والشواك وبورتسودان، من ضربات المسيّرات، في محاولة واضحة لإغراق البلاد في ظلام شامل. وفي العاصمة، تم تدمير سبع محطات رئيسية بشكل كامل، بخسائر تجاوزت (140) مليون دولار، في عمليات تخريب ارتبطت بسرقة النحاس.
لكن، وعلى عكس ما أرادته الحرب، لم يستسلم هذا القطاع الحيوي. اليوم، يعمل سد مروي بثماني وحدات، ويغذي معظم ولايات السودان، في وقت خرجت فيه أغلب المحطات الحرارية عن الخدمة. إنها ليست مجرد عودة كهرباء، بل عودة روح.
الأمل لا يتوقف هنا. فالشركة القابضة للكهرباء تمضي في إعادة تشغيل محطات قري (1) و(2) و(4)، والعمل جارٍ لإعادة تأهيل محطة بحري الحرارية التي دمرت بالكامل . كما بدأت ملامح التعافي تظهر في الخرطوم، بعد تركيب آلاف المحولات،قبل المجهود الضخم الذي بذلته إدارة الكهرباء إصلاح الضغط المنخفض والمرتفع ما أعاد النور تدريجياً إلى أحياء ظلت في الظلام .
ورغم فقدان آلاف المحولات وأكثر من (400) عربة تشغيلية، وتدمير مصانع العدادات، إلا أن بشريات العودة تلوح في الأفق، مع قرب تشغيل مصنع العدادات الذي سيغطي جزءاً كبيراً من الاحتياج، إلى جانب استعادة خدمات الدعم الفني.
ما حدث في سد مروي ملحمة سودانية و درس عميق في الاعتماد على الذات. هؤلاء المهندسون والعمال الذين بقوا في مواقعهم، بمروي هم خط الدفاع الحقيقي عن بقاء الدولة.
في النهاية، يمكن القول إن الكهرباء في السودان لم تُهزم، لأنها ببساطة كانت في أيدٍ تعرف كيف تُعيد الضوء، حتى من قلب العتمة رغم الظروف الاقتصادية القاهرة..