نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (20 من 26): الصندوق الدوّار… تمويل ذاتي بلا ارتهان
بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي
نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (20 من 26): الصندوق الدوّار… تمويل ذاتي بلا ارتهان
تنبيه منهجي:
يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.
إذا كانت الجمعية التعاونية القوية تمثل الإطار الذي يجمع جهود أهل القرية ويوجهها، فإن الصندوق الدوّار يمثل واحدة من أهم الأدوات التي تمنح هذا الإطار قدرة فعلية على الحركة. فكم من فكرة إنتاجية واضحة تعطلت لا لأنها ضعيفة في أصلها، بل لأنها احتاجت إلى سيولة صغيرة في وقت حرج: لشراء مدخلات، أو لتأخير بيعٍ متعجل، أو لإصلاح وسيلة، أو لإدخال خطوة بسيطة من خطوات التحسين. وهنا تظهر أهمية التمويل الذاتي المنظم، لا بوصفه بديلًا لكل مصادر التمويل، بل بوصفه وسيلة تحمي القرية من الارتهان الكامل لما هو خارجها.
والمقصود بالصندوق الدوّار ليس مجرد جمع مالٍ يوضع جانبًا، بل إنشاء آلية مالية صغيرة واضحة تُضخ فيها مساهمات أو عوائد أو فوائض معينة، ثم تُدار وفق قواعد محددة، بحيث تُستخدم في تمويل حاجات إنتاجية متجددة، ثم تعود الأموال لتدور من جديد. ومن هنا جاءت تسميته: لأنه لا يُستهلك مرة واحدة، ولا يُبدد في وجوه عابرة، بل يبقى في حركة مستمرة تخدم النشاط المحلي وتعود إليه.
ومن أهم ما يميز الصندوق الدوّار أنه يخفف عن القرية ضغط اللحظات الحرجة. فالمنتج الذي يضطر إلى البيع فورًا بسبب حاجة عاجلة إلى النقد، قد يفرط في جزء كبير من ربحه. والمجموعة التي تؤجل خطوة إنتاجية نافعة فقط لأنها لا تملك سيولة مؤقتة، قد تضيع عليها فرصة لا تُعوَّض بسهولة. فإذا وُجد صندوق منضبط، ولو صغير، أمكن في بعض الحالات أن يُعالج هذا الضيق المؤقت، وأن يُحمى القرار الاقتصادي من الاستعجال الذي يفسده.
لكن نجاح الصندوق الدوّار لا يقوم على مجرد وجود المال، بل على وضوح القاعدة التي يُدار بها.
من يحق له الاستفادة؟
ولأي غرض؟
وبأي سقف؟
وما مدة السداد أو الإرجاع؟
وما الأولويات؟
ومن يراجع الحركة؟
وكيف تُوثق؟
فالصندوق الذي لا تحكمه قواعد واضحة يتحول سريعًا إلى باب مجاملة أو توتر أو استنزاف، وقد يضيع منه المال وتضيع معه الثقة.
ولهذا فإن الأصل في الصندوق الدوّار أن يكون موجهًا إلى النشاط المنتج، لا إلى الصرف الاستهلاكي العام. فكلما تداخلت فيه الحاجات الشخصية غير المرتبطة بالإنتاج، ضعفت قدرته على أداء وظيفته الأساسية. وليس المقصود إنكار الحاجات الاجتماعية أو الإنسانية، ولكن المقصود أن يبقى للصندوق هدفه الاقتصادي الواضح، حتى لا يضيع أثره في مجالات لا تعيده إلى الدوران.
ومن الحكمة كذلك أن يبدأ الصندوق بحجم صغير منضبط، لا بحجم كبير مرتبك. فالمشكلة في كثير من المبادرات المالية ليست في قلة المال فقط، بل في ضعف الإدارة عند بداياتها. أما إذا بدأ الصندوق بما تستطيع القرية متابعته وضبطه، ثم نما بالتجربة والانضباط والالتزام، كان ذلك أرسخ وأحفظ. فالمقصود ليس أن يبدو الصندوق كبيرًا، بل أن يكون قابلًا للاستمرار.
كما ينبغي أن يُفهم الصندوق الدوّار على أنه أداة لتخفيف الاضطراب، لا وسيلة لإلغاء المخاطر كلها. فهو لا يصنع المعجزات، ولا يحل محل الحساب الرشيد، ولا يغني عن تقييم الجدوى، لكنه قد يمنع أن تتحول الحاجة المؤقتة إلى قرار اقتصادي سيئ. وهذه فائدة كبيرة في البيئات التي يضيق فيها هامش الحركة.
ومن صور النفع التي يؤديها الصندوق أن يساعد على شراء مدخلات في وقتها، أو على تأجيل بيعٍ متسرع، أو على إصلاح أداة مؤثرة، أو على تمويل دفعة بسيطة من خامة أو عبوات أو نقل أو تخزين أو غير ذلك من الحاجات التي يكون أثرها في العائد أكبر من حجمها النقدي. ومن هنا فإن الصندوق لا يُقاس فقط بما يملكه من مال، بل بما يمنعه من خسائر، وبما يفتحه من فرص.
غير أن أخطر ما يواجه هذا الباب هو ضعف الانضباط. فإذا غابت الكتابة، أو اختلط المال بالمجاملات، أو لم تُحدد المسؤوليات، أو لم تظهر السجلات، ضعف الصندوق سريعًا ولو بدأ بحسن نية. ولهذا فإن الثقة هنا لا ينبغي أن تقوم على المعرفة الشخصية وحدها، بل على قاعدة بسيطة: كل دخول وخروج مكتوب، وكل قرار مفهوم، وكل حركة قابلة للمراجعة. فالوضوح ليس أمرًا شكليًا، بل هو ما يبقي المال مالًا جماعيًا لا مالًا مائعًا.
ومن المهم أيضًا أن لا يُترك الصندوق بلا ترتيب للأولويات. لأن الموارد الصغيرة إذا توزعت على كل شيء فقدت أثرها. أما إذا وُجهت إلى ما هو أشد إلحاحًا وأوضح أثرًا في الإنتاج، فإن نفعها يتضاعف. فتمويل خطوة تحفظ الربح، أو تقلل الفاقد، أو ترفع القدرة على البيع، أولى في الغالب من تمويل خطوة أثرها أضعف أو أبعد.
كما أن الصندوق الدوّار يعلّم المجتمع معنى مهمًا، وهو أن التمويل ليس بالضرورة شيئًا يأتي من الخارج دائمًا، بل قد يبدأ من تنظيم الداخل. وهذا المعنى في ذاته مهم في النهضة القروية الذاتية؛ لأن المجتمع حين يرى أن جزءًا من حاجاته يمكن أن يُعالج بأداة من داخله، تزداد ثقته بنفسه، ويصبح أقدر على التفاوض مع غيره من موقع أقوى.
ومن الحكمة كذلك أن يُربط الصندوق—عند الإمكان—بالجمعية التعاونية أو بجهة محلية منضبطة، حتى لا يبقى معلقًا على فرد واحد أو على مبادرة شخصية عابرة. لأن المال الجماعي إذا لم يجد وعاءً إداريًا واضحًا، بقي عرضة للتعثر عند تغير الأشخاص أو ضعف المتابعة.
إن الصندوق الدوّار الناجح ليس هو الذي يوزع المال فحسب، بل الذي يجعل المال يعمل ثم يعود، ثم يعمل مرة أخرى. وهذا هو الفارق بين المال الذي يستهلك، والمال الذي يدور وينمو أثره. وكلما أحسنت القرية فهم هذا الفارق، كانت أقرب إلى بناء تمويل ذاتي يحفظ استقلالها النسبي، ويخفف حاجتها إلى الاستدانة المرهقة أو الارتهان لمن يفرض الشروط.
فالتمويل الذاتي المنضبط لا يبدأ من كثرة المال، بل من حسن إدارة القليل.
وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى أداة أخرى لا تقل أثرًا عن الصندوق، لأنها تمس كلفة النشاط من أصلها:
الشراء الجماعي… تخفيض التكاليف فورًا.