بين التمويل والتوقيت… ملاحظات حول ترتيبات حج 1447 هـ
بين التمويل والتوقيت… ملاحظات حول ترتيبات حج 1447 هـ
بقلم: محيي الدين شجر
في المؤتمر الصحفي الذي عقدته وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والمجلس الأعلى للحج والعمرة اليوم لإعلان ترتيبات حج 1447 هـ، بحضور الوزير بشير هارون عبد الكريم، ووزير الصحة الاتحادي الدكتور هيثم محمد إبراهيم، والأمين العام للمجلس عمر مصطفى علي، جرى تقديم صورة تنظيمية لموسم الحج من حيث التكاليف والضوابط والجداول الزمنية، ومن حيث النجاح في الحصول على أسعار أقل في حزم الخدمات من نقل وسكن وإعاشة.
الأمين العام استعرض التحديات التي تواجه الموسم، وعلى رأسها ارتفاع تكلفة الطيران بنسبة 122%، وزيادة تكاليف النقل البحري، وتذبذب سعر الصرف، مشيراً إلى أن هذه الزيادات انعكست بشكل مباشر على تكلفة الحج هذا العام. كما شدد على عدم التعامل مع أي “أمير حج” لا يستوفي المعايير، في خطوة تُفهم كاتجاه نحو تعزيز الانضباط المؤسسي وتقليل التدخلات غير المهنية.
وفي جانب مالي مهم، أشار إلى حصول المجلس على قرض حسن بقيمة 50 مليون ريال سعودي من بنك السودان لسداد التزامات الحج في المملكة العربية السعودية. وهي خطوة قد تُفهم كمعالجة مؤقتة لضمان استمرارية الخدمات، إلا أنها تطرح سؤالاً مشروعاً: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الحلول الائتمانية في ملف يحتاج إلى استقرار مالي وتخطيط مبكر؟
الأثر المباشر لهذا التأخير في السداد ظهر – كما تم التلميح إليه في المؤتمر الصحفي – في مواقع الحجاج السودانيين داخل المشاعر، حيث جاءت بعيدة مقارنة ببعثات دول أخرى، وهو ما ينعكس سلباً على راحة الحجاج، خاصة كبار السن، ويزيد من مشقة أداء المناسك.
وفي سياق أكثر حساسية، جاء الحديث عن استبعاد شركة “كنزى” من عطاء النقل البحري، بدعوى عدم استيفائها لبعض المتطلبات الفنية والمالية الواردة في كراسة العطاء، مثل القدرة المالية وخطاب الضرائب.
غير أن هذا القرار يفتح باباً واسعاً للنقاش، خاصة وأن بواخر شركة “كنزى” كانت قد سجلت نجاحاً ملحوظاً في موسم الحج الماضي، وفق ما هو متداول، فضلاً عن امتلاكها أسطولاً ذا سعات كبيرة وإمكانات تشغيلية معتبرة. هذا التباين بين الأداء السابق وقرار الاستبعاد الحالي يستدعي، على الأقل، توضيحاً أكثر تفصيلاً للمعايير التي تم على أساسها اتخاذ القرار، بما يحقق الطمأنينة للرأي العام ويعزز الثقة في إجراءات المنافسة.
كما لا يمكن تجاهل السياق السابق، حيث شهد يوليو 2025 قراراً بوقف إجراءات الحج وتجميد عمل المجلس الأعلى للحج والعمرة لفترة، وهو ما قد يكون ساهم في تأخر التحضيرات الحالية. وفي إدارة ملف زمني دقيق كالحج، فإن أي تعطيل في البداية ينعكس لاحقاً على جودة التنفيذ، سواء في التعاقدات أو في اختيار المواقع أو في مستوى الخدمات.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن إغفال بعض الإيجابيات، مثل التوجه لتحسين الخدمات الصحية بتوفير الأدوية للحجاج مسبقاً، وهو تطور مهم يعكس الاستفادة من الدروس السابقة.
لكن في المجمل، يبقى المشهد بحاجة إلى مراجعة أعمق:
كيف يمكن تقليل الاعتماد على القروض؟
وكيف يتم ضمان السداد في توقيته الطبيعي لتفادي تأثيراته على الخدمات؟
وكيف تُدار المنافسة بين الشركات بمعايير واضحة تحفظ حقوق الجميع وتخدم الحاج في المقام الأول؟
إن الحج ليس مجرد ملف إداري، بل مسؤولية دينية وأخلاقية قبل أن تكون تنظيمية، وأي خلل في إدارته ينعكس مباشرة على الإنسان الذي جاء لأداء هذه الفريضة.
ومن المهم الإشارة إلى أنه، رغم الجهود التي بُذلت من وزير الشؤون الدينية والأوقاف و الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة، ونجاحهما في اللحاق بإجراءات الحج في توقيت ضيق، فإن هذا الموسم سيكون تحت المجهر، خاصة في ظل النجاح الذي تحقق في الموسم السابق، ما يجعل المقارنات حاضرة لا محالة.
وفي النهاية، فإن الحجاج السودانيين يستحقون أفضل الخدمات وأقصى درجات العناية.
لكن السؤال الذي يظل قائماً:
إذا كانت الدولة قد وفّرت التمويل عبر بنك السودان ووزارة المالية لسداد الالتزامات، فلماذا جاء السداد متأخراً؟ وهل يمكن تدارك هذا الخلل قبل أن يتحول إلى عبء دائم على الحاج في كل موسم؟