تداعيات الألم / اميمة عثمان

في تداعيات الألم
لا يعيش الإنسان في الزمن كما يظن، بل يعيش على هامشه، في برزخٍ خفيّ بين ما كان يمكن أن يكون وما كان لا بدّ أن يكون. هناك، لا يسير الكائن حيث يريد، بل حيث يدفعه تيارٌ أعمى، يعرفه حدسًا ويجهله فهمًا، فيبقى معلقًا بين الإدراك والتسليم، بين “نعم” التي يقولها القدر و”لا” التي يهمس بها القلب.
ويُقال إن الإنسان سُمِّي إنسانًا لأنه ينسى، لكن النسيان ليس قدرة عقل، بل راحة روح، وبعض الأرواح كُتب عليها أن تتذكّر إلى الأبد. لذلك يظل الإنسان يعبر رصيف الذاكرة، ويجتاز مجاز الألم، ظانًا أنه يسير نحو مراسي النسيان، لكنه في كل مرة يعود إلى قبو الذاكرة، حيث الزمن المعتّق، وحيث اللحظات التي لم تمت لأنها لم تكتمل.
في ذلك القبو، يدخل الإنسان حالةً نبيذية الملامح، نصف وعيٍ ونصف غياب، حيث تختلط الأزمنة، فلا يعود يعرف: أهو يتذكر، أم أن الذاكرة هي التي تتذكره؟
وهنا يبدأ التحول: لا يعود الألم شعورًا، بل يصبح طريقة إدراك، وتصبح المعاناة شكلًا من أشكال المعرفة.
في سرادق الحزن الفاخر، يتعلّم الإنسان طقوسًا لا تُدرَّس:
يتعلّم الاحتفاء ليلًا بالألم، لأن الليل وحده يتّسع لما لا يُقال.
يتعلّم الرقص على أقدام الوجع، لأن النجاة ليست دائمًا في الهروب، بل في التحمّل.
يتعلّم كيف يعيش الموت البطيء على أمواج السهر، حيث تمرّ الحياة قطرةً قطرة، لا دفعةً واحدة.
ومع الوقت، يدرك أن القدر ليس طريقًا مفروضًا فحسب، بل هو أيضًا تحوّل داخلي بطيء، يحدث في أعماق الروح، حتى يصبح الحزن جزءًا من هوية الوجود، لا حالةً عابرة فيه. عندها، لا يعود السؤال: لماذا يحدث الألم؟ بل: ماذا يكشف الألم؟
وعلى منشور الألم، كما ينكسر الضوء إلى ألوانه، تنكسر الروح إلى وجوهها المتعددة، فيظن الإنسان أنه يتغيّر، بينما هو في الحقيقة ينكشف. فالألم لا يغيّرنا، بل يعرّينا أمام حقيقتنا.
وهكذا يتعلّم الإنسان أن الأشياء لا تبدو على حقيقتها، وأن انكسار الضوء في بؤبؤ العين وهم، وأن الحقيقة ليست فيما نراه، بل فيما يتركه الوجع فينا من أثر. فبعض الحقائق لا تُرى، بل تُعاش.
في النهاية، لا يكون الحزن نقيض الحياة، بل أحد أشكالها العميقة.
ولا يكون الألم عدوًا، بل لغةً أخرى للوجود.
ولا يكون الانكسار نهاية، بل طريقةً أخرى لمرور الضوء.
لأن الروح، مثل الضوء، حين تنكسر… لا تتحطم، بل تتحول إلى ألوان.

د. اميمة عثمان