رحيل عم المنّا صاحب ومخترع ليمون بزنس

رحيل عم المنّا صاحب ومخترع ليمون بزنس

متابعات : سودان سوا

رحل عمّ المنّا… الرجل الذي لم يكن مجرد بائع، بل كان ذاكرةً حيّةً لسنواتٍ كاملة داخل جامعة الخرطوم. رحل صاحب ومخترع “ليمون بزنس”، ذلك الكشك الصغير في حجمه، الكبير في حضوره، القابع في الميدان المقابل لكلية القانون بمجمع الوسط.
“ليمون بزنس” لم يكن مجرد مكان لبيع العصائر والسندوتشات، بل كان عالماً قائماً بذاته. مبنى تتنازعه الحكايات؛ مرّ عليه زمن كان فيه داخلية، ثم احتضن قسم الأنثروبولوجيا، قبل أن يستقر فيه ما عُرف لاحقاً بمدرسة العلوم الإدارية (بزنس)، التي خرجت من رحم كلية الاقتصاد في ثمانينيات القرن الماضي، وظلت بطابعها المختلف، حتى في تقويمها الدراسي، وكأنها تعيش إيقاعها الخاص.
أما عمّ المنّا، فكان قصة أخرى. رجل بسيط الملامح، عميق الأثر، يسرق قلبك من أول نظرة بهدوئه ووقاره. قليل الكلام، كثير الحضور، يراقب المشهد من خلف كشكه كمن يدير مسرحًا يوميًا مكتظًا بالحياة. قال عن نفسه إنه من أمروابة، وكان يعاونه بعض أقاربه، لكن ظله كان هو الطاغي، وروحه هي التي تمنح المكان معناه.
“ليمون بزنس” لم يكن للجميع… أو هكذا كان يبدو. كان وجهة لطبقة معينة من الطلاب، وأحيانًا مغامرة لمن ضاقت بهم الجيوب. الذهاب إليه دون حسابٍ محسوب كان مغامرة حقيقية؛ فإما أن تخرج بكوب ليمون، أو سندوتش طعمية، أو تعود بخطة اقتصادية جديدة! ومع ذلك، ظل الحلم به قائماً… مكاناً تُزار فيه ولو مرة، حتى لو بدعوة من صديق “مُقتدر”.
ورغم كل ذلك، كان عمّ المنّا كريمًا بطريقته الخاصة. يمنح أحيانًا ما لا يُطلب، ويترك أثرًا لا يُنسى. لم يكن قريبًا من الجميع، ربما لأن المكان نفسه لا يسمح؛ فلا مقاعد ولا بنابر، فقط خدمة سريعة بطابع سوداني خالص.
المينيو؟ كان حكاية بحد ذاته. سندوتش اللحم المفروم مع شطة الدكوة الحمراء التي لا تخطئها العين، الشيبس بالجبنة، الطعمية بأنواعها، وكلها تُقدَّم في طقسٍ يومي له طعمه الخاص. أما الليمون… فكان البساطة في أبهى صورها؛ حلة كبيرة، ثلج يطفو، وأكواب معدنية لامعة كأنها خرجت لتوها من مصنعٍ بعيد، تحمل ذلك المشروب الذي لا يُشرب فقط… بل يُعاش.
رحل عمّ المنّا، لكن “ليمون بزنس” سيظل أكثر من مجرد كشك… سيبقى ذاكرة جيل، ونكهة أيام، وحكاية لا تُنسى.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه من بسمةٍ وخدمةٍ وذكرياتٍ في ميزان حسناته.