نحن لا نضيع فجأة… نحن نتآكل بصمت حتى لا نعرف أنفسنا

تداعيات: نحن لا نضيع فجأة… نحن نتآكل بصمت حتى لا نعرف أنفسنا

بقلم : اميمة عثمان
في تلك المسافة الغامضة بين ما يحدث لنا وما نظن أننا اخترناه، تتشكل حياتنا… لا كما أردنا تماماً، ولا كما خفنا، بل كما تؤول إليه الأشياء حين تتركها الأقدار معلّقة في مهبّ الاحتمالات.
الإنسان لا يعيش حياة واحدة، بل يخوض محاولاتٍ لا تُحصى لحياةٍ واحدة. في كل محاولة يترك جزءاً منه خلفه ويمضي، حتى إذا التفت في آخر الطريق، أدرك أنه لم يعد كما كان… وأن الطريق لم يكن طويلاً، بل كان عميقاً بما يكفي ليغيّره.
ومع مرور الوقت، لا يتعب الإنسان من الألم ذاته، بل من محاولات تفسيره، من البحث عن معنى يواسيه، من إقناع نفسه أن ما حدث لم يكن عبثاً. لكن الحقيقة المربكة أن الحياة ليست لغزاً له حل، بل سؤالٌ طويل… ونحن مجرد إجابة مؤقتة.
أحياناً، لا نرى من المشهد سوى ذلك الخط الرمادي الباهت، فنحاول عبثاً أن نحيطه بألوانٍ مريحة، كأننا نخدع أعيننا لنحتمل ما لا يُحتمل. تمر الأيام مسرعة، يتسع العالم من حولنا، بينما نظل نحن كما نحن… نكرر الحكايات، ونغرق في جدالاتٍ لا تنتهي، كأننا نشرح الحياة بدلاً من أن نعيشها.
ألا يستحق هذا العمر أن يُعاش خارج الخوف؟
خارج التكرار؟
خارج هذا اللون الواحد الذي يسرق من أيامنا روحها؟
في أعماق كل إنسان يقينٌ صامت: أن في داخله عالماً كاملاً ينتظر أن يُرى… ألواناً تتوق أن تُرسم، وألحاناً تختبئ خلف الصمت، تنتظر لحظة شجاعة.
المأساة ليست أن الحياة بلا معنى… بل أن المعنى يمرّ بنا كثيراً، ونحن مشغولون بالخوف، أو التردد، أو الانتظار.
ومع الوقت، يتغير الإنسان بهدوء.
في البداية يظن أنه جاء ليغيّر العالم، ثم يكتشف أنه يبحث فقط عن مكانٍ فيه، ثم يفهم متأخراً أن معركته الحقيقية لم تكن مع العالم… بل مع نفسه، كي لا يسمح لهذا العالم أن يطفئه.
ربما ليست الحكمة أن نجد معنى نهائياً للحياة،
بل أن نعيشها بطريقة تجعلها—مهما قصرت—
جديرةً بأن تُعاش.