عريس مغترب “عبيط” وعروس”مكرضمة”: فطور العريس.. حين يتحول “البوبار” إلى طقوس مستفزة!*
*عريس مغترب “عبيط” وعروس”مكرضمة”: فطور العريس.. حين يتحول “البوبار” إلى طقوس مستفزة!*
بقلم: د. فخر الدين عوض حسن عبد العال
في زواج أصغر إخوتي، وجرياً على عادة الأسر السودانية، قررنا نحن الإخوة والأخوات أن نتحمل نصيب الأسد من تكاليف الزواج. أما عن نفسي، فقد خصصت له مبلغاً نقدياً معتبراً في ذلك الوقت، كان يكفي لتأسيس مشروع وبداية حياة عملية مستقرة. نصحته حينها بإقامة حفل زفاف بسيط، يقتصر على دعوة المقربين في “دنقلا” حيث تسكن العروس، وأخرى بسيطة في “الخرطوم” للأهل والأصدقاء، على أن يستثمر مبلغ مساهماتنا في أحد المشاريع التي اقترحتها عليه، مع وعدٍ مني بتطويرها معه.
لكن أخي -الذي يصغرني- رفض الفكرة تماماً، ووجدت رؤيته تأييداً وغلبة من “ناس البيت” ومن العريس نفسه، وأصرّ على التكفل بكل شيء. بدأت المراسيم وبدأت معها “الجرسة” والشكوى؛ ضيوف قادمون من بعيد، “صواني” طالعة وأخرى داخلة، وامتد الكرم حتى الشارع. أما سيادته، فكان مرابطاً في السوق منذ الفجر، يكسو وجهه الزعل والزهج؛ فكل الميزانيات تضاعفت، وأجر الطباخ وغيره زاد عن الحسبان. زاد غضبه عليّ لأنني وقفت أتفرج عليه من بعيد دون تدخل.
انتهت مراسم الزواج بإرهاق مادي وجسدي هائل، ولم يسلم الأمر من المنغصات؛ فوالدتي “الحجة” فُقدت أوانيها (عدتها) ما بين سرقة وتكسير وهي في غاية الضيق، ناهيك عن سيل اللوم والعتاب من الذين سقطت أسماؤهم سهواً من قائمة المدعوين.
لقد كانت باختصار.. معركة حربية حامية الوطيس، الكل فيها مهزوم.
أما عن فئة العرسان “المحليين”، فلي معهم حكايات طريفة، ومعظمهم من أصدقاء أخي الذي يختصر همّ حياته كله في سؤال واحد: “ماذا سيقول عنا الناس؟”، فهو يفعل كل شيء لإرضاء المحيطين به، أما أنا فأناقضه تماماً؛ فلا يهمني سوى رضا “رب الناس”. أعشق الحرية ومتعة الحياة دون إلحاق الضرر بأحد، وهذا شعاري: استمتع بالحب والحياة حتى آخر لحظة في العمر، ولا تأبه أبداً بما يقوله الآخرون عنك، شريطة ألا تظلم أحداً أو تضره، وبالطبع مع مراعاة مرضاة الله.
ومن أطرف نماذج “العريس السوداني المحلي”؛ صديق لأخي طرق باب منزلي قبل سنوات عديدة، وكان ذلك في ثاني أيام عرسه، و”الحناء” ما تزال تخضب يديه! جاء يطلب مبلغاً من المال كدَيْن، ووعد بسداده خلال شهر واحد. ومضت الآن سنوات طوال ولم يفعل، ومن تلقاء نفسي سامحته، رغم أنني لم ألتقِ به منذ ذلك اليوم. وهناك نموذج آخر زارني في منزلي يطلب “دَيناً”، وأفاد بأنه سيقوم بسداده من حصيلة المبالغ التي ستُجمع له يوم “عزومة العرس” (الدفتر). سألته حينها: “طيب، ماذا لو لم تكفِ تلك المبالغ لسداد الدين؟”، فأكد لي بيقين أنها ستغطي كافة مصاريف العرس وتزيد؛ وبالطبع لم يحدث ذلك، وأيضاً سامحته. أما أولئك الذين يقضون شهر العسل في الفنادق والشقق المفروشة، ثم “تقطع” بهم السبل مالياً ويلهثون بعدها لتسديد التزاماتهم، فأمرهم عجب!
والأعجبُ من هؤلاء جميعاً هو العريس «المغترب»، الذي يكابد ظروفاً في غاية التعقيد والقسوة ليجمع تكاليف الزواج، ثم يبددها في ليلة واحدة؛ ما بين إيجار صالة، وولائم للمئات، ومطرب يترنح صارخاً بكلمات غير مفهومة، أو «قونة» تصدح بغناء فجٍّ يلقي لها السفهاءُ «نقوطاً» من أموالٍ كان جيرانهم وأهلهم أحوج ما يكونون إليها.
ووسط هذا الصخب الذي يحاكي فوضى القرون الوسطى، ترى الجموع «تنطط» وتأكل حتى التخمة، ل تتحول القاعة بعدها إلى ما يشبه «ساحة معركة» تفتقر لأدنى معايير النظام والنظافة؛ مخلفات ملقاة واتساخ يعم المكان، بينما يخرج بعضهم غاضباً يشتكي قلة الطعام، رغم أنه قد يكون ضيفاً «غير مدعو» استجلب معه غرباء لا يعرفهم أصحاب العرس أصلاً!
لقد رأيتُ بنفسي في مدينة «جدة» أحد هؤلاء المغتربين الكادحين يعمل سائقاً على مركبة لتوزيع المشروبات الغازية؛ يواصل ليله بنهاره في عملٍ مضنٍ وجهدٍ شاق، ليدخر بصعوبةٍ تكاليف «الشيلة والريحة» ومصاريف إجازة الزواج، وكنتُ أرقبُ حاله بكثيرٍ من الأسى والألم، وكأني أقول له في سري: «انتظر الراجيك يا مسكين!».
لقد تضخمت المراسيم وتعددت مسمياتها؛ فصارت هناك طقوس لـ “فتح وقفل الخشم”، و”شراب موية رمضان”، و”فطور العريس”، و”حنة العروس”، في سياقٍ من “الفشخرة والبوبار” الفارغ، لدرجة أن من يحملون “فطور العريس” يعودون محملين بهدايا من أم العروس! كل هذه المظاهر ليست سوى حبٍ للظهور واستنزافٍ لطاقة العريس المغترب، بينما لا يتأثر “السمسار” أو “المهرب” أو “الكوز ” بمثل هذه التكاليف. وقد شهد عهد “المغول الكيزاني” تفشياً لظواهر الانحطاط والتخلف، وصلت لحد استيراد مغنيات من خارج الحدود وصرف الأموال المنهوبة من عرق الشعب ببذخٍ فاحش؛ والمفارقة أن معظم أهلهم الفقراء كانوا يرقصون في تلك الأعراس، في مشهدٍ يشبه “رقصات الموت” التي نراها في أفلام هوليوود.
لقد تابعتُ بنفسي فصول مأساة عريس مغترب، عاد ليُنفق حصيلة سنوات غربته في ليالي عرسه، ثم قضى “شهر عسل” في القاهرة؛ نزولاً عند رغبة أنسابه الجدد من أهل “الفشخرة والبوبار”. وما إن انتهت مراسم الفرح -أو مراسم العزاء في نظري- بانتهاء الحفلات والليالي الملاح، حتى عاد المغترب إلى السعودية، ليتفاجأ بأن الشركة قد استغنت عن خدماته. حاول عبثاً البحث عن عمل آخر دون جدوى، فاضطر للعودة نهائياً إلى السودان. وحينها، تبدلت المحبة وفقد مكانته عند أنسابه، لتبدأ رحلة شاقة للبحث عن عمل، فاستأجر غرفةً عجز حتى عن تأثيثها، ولم تتحمل “بنت العز” هذا الواقع، فعادت إلى بيت أهلها وفي أحشائها جنين؛ وانتهت القصة بالطلاق، تاركةً في النفوس حسرة، وفي الواقع طفلاً سيُحرم من دفء الأسرة.
حتى طقوس الموت في السودان نالها نصيبٌ من الانحدار في عهد “الكيزان”؛ ذلك العهد الذي كرّس ثقافة الفساد والبذخ والتفاخر الاستهلاكي.
أذكرُ حين رحل والدي ليلاً، وقضيتُ ليلتي في ذهولٍ لا يزوره نوم من فرط الفقد. ومع خيوط الفجر الأولى، صُدمت بمطالبتي بشراء قائمة مستفزة: (فُرش ومعاجين أسنان، كراتين بسكويت، ولبن بودرة)! ثم توالت المشاهد بذبح الخراف وإعداد أشكال الطعام، وكأننا في رحلة ترفيهية لا في مقام حزنٍ جَلل.
في تلك اللحظة، كنتُ عاجزاً عن ابتلاع لقمة واحدة، بينما كان بعض أفراد الأسرة يتحدثون عن “السترة” و”كلام الناس”. كنتُ أنظر إليهم بتبلدٍ وأنا ألعن في دواخلي هذا المجتمع “البوباري”؛ هذا الرياء الاجتماعي الذي تحولت فيه صيوانات العزاء إلى صالونات لـ “الونسة” في السياسة وكرة القدم، مكرسةً للعطالة واغتيال قيمة الزمن.
لقد أصبحتُ في نظرهم “غريباً”؛ لأنني لا أرتاد المناسبات إلا لأداء الواجب والمغادرة فوراً، مفضلاً استثمار وقتي في المنتج والمفيد، كرعاية أشجاري وأحواض الجرجير والملوخية في منزلي، بدلاً من إهدار العمر في مستنقع المجاملات الفارغة..
كنتُ دوماً أسأل الأثرياء الذين ينفقون ببذخٍ على المناسبات: “هل تفقدتم جيرانكم وأهليكم؟”؛ فمنهم مريضٌ لا يجد ثمن الدواء، وفقيرٌ لا يجد لقمةً تسد رمقه. كيف يتقبل الله حجنا “الفاخر” وصلواتنا، وفي جيراننا من يفتقد لقمة الخبز، وفي قرانا من يستبسل حافراً بئراً بحثاً عن قطرة ماء؟
ثم ذهبت بي الحياة بعيداً إلى بريطانيا، أو كما غنى “وردي”: “الذي بعثرنا في كل وادٍ”. وهناك، يتزوج كثير من الشباب السودانيين بكل بساطة، سواء من أهل البلد أو من المهاجرين. ومن هؤلاء “الحلاق” الذي كنتُ زبوناً لديه، وهو رجلٌ حلو المعشر من أبناء قرى دارفور النائية، أتت به رياح “الإنقاذ” الهوجاء إلى بريطانيا، حيث استقر وتزوج من امرأة إنجليزية كانت تعيش حياة “ماجنة” كادت أن تقتله هماً، فنصحته بأن يطلقها ويريح نفسه، وقد كان. بعد ذلك بدأ يعاني من الوحدة، فنصحته بالذهاب إلى بلاد المغرب، ليُكرم شبابه وفتوته بالارتباط بإحدى حسناوات الأمازيغ؛ فهم قومٌ طيبون، ولا مكان للعنصرية في بلادهم، كما أنها قريبة من أوروبا وتذكرتها لا تتجاوز الخمسين دولاراً عبر الطيران الاقتصادي.
سألني مستغرباً: “وكيف أتزوج هناك وأنا لا أملك مالاً للزواج؟”
فأجبته بأن الزواج هناك لا يكلف شيئاً؛ لا “ريحة” ولا “ثياب” ولا “ذهب”، إذ يمكن أن يتم بطقمٍ من الفضة ومبلغٍ زهيد جداً، فهم قومٌ يهمهم في المقام الأول “ستر” بناتهم وبناء الأسرة. استغرب صاحبي حديثي، لكنه عزم أمره وذهب إلى هناك، ليعود “بحورية” فاتنة؛ كانت تذهب صباحاً إلى محل الحلاقة لتنظيفه وتلميعه، ثم تعود لبيتها لتمارس شؤونها من طبخ وغسيل وكيّ، بل وتتولى رعاية طفله من زوجته الإنجليزية، فتحضره من المدرسة وتطعمه، لتعود مرة أخرى في نهاية اليوم لتنظيف المحل مجدداً قبل أن تعود مع زوجها مساءً إلى المنزل. كانت تعد له أشهى الأطباق، إيماناً منها بأن أقرب طريق لقلب الرجل بطنه، مع غمره بنهر من الحنان العذب الذي يتدفق كنبض النيل.
أصبح صاحبي شاعراً وهو يصف لي حاله؛ فجسده يلمع ووجنتاه توردتا، فقلت له ممازحاً: “أخشى عليك يا صاحبي أن تبرز كُرشتك أيضاً من هذا الدلال!”، فيضحك بينما يتراقص مقصه فوق شعري.
لم أعد مجرد زبون يحلق مجاناً، بل أصبح يستمتع بمؤانستي وتزيين شعري، ناسياً زبائنه المنتظرين لأدوارهم في صبر. وعندما حدَّثني عن تدليك قدميه وجسده بزيت “الأركان” النادر قبل النوم، قلت له: “والله يا صاحبي، إن أمي سودانية كاملة الدسم، وكانت تفعل ذلك مع والدي وأكثر”. ضحك وقال بمرح: “طيب استمع لهذه القصة يا دكتور، حتى لا تعود لتقول لي أمي وحبوبتي مجدداً. في عيد الأضحى، اشتركتُ مع أخي في شراء خروف يزن عشرة كيلوجرامات، وتقاسمناه مناصفة. في اليوم الأول، اجتمع كل أبناء الأهل عند أخي، فقامت زوجته (وهي ابنة عمنا) بإعداد (شية) بكل كمية اللحم التي يملكها، فأكلناها واستمتعنا. وفي اليوم الثاني، تجمعوا في بيتي، فأعدت زوجتي غداءً مغربياً يشتمل على (الكسكسي والبصطيلة) والخضروات المشوية واللحم، مع قليل من المكسرات والفاكهة المجففة الزهيدة التي لا يتعدى سعرها ثلاثة جنيهات إسترلينية. استمتع الجميع بالغداء، وأقسموا أنهم لم يتذوقوا أطيب منه طوال حياتهم. تخيل يا دكتور، أن زوجتي ادخرت من تلك الخمسة كيلوجرامات ثلاثة كاملة، ظللنا نقتات منها لفترة طويلة! لقد كانت تكلفة الغداء عندنا أقل من ربع تكلفته عند أخي، كما قامت زوجتي وحدها بتنظيف البيت وغسل الأواني دون مساعدة، وأهدتني يومها أحلى (عيدية) بكل نشاط وحنان، بينما استعانت زوجة أخي بصديقتين لها، وظلت تشكو من التعب والإرهاق أسبوعاً كاملاً!”.
قلت له ممازحاً: “إنك تبالغ في الإشادة بزوجتك، ولعل هذه المغربية قد سحرتك؛ فبنات (أكادير) (واعرات بزاااف) في هذا الشأن!”، فضحك حتى كاد يسقط أرضاً. وقال: “والله يا صديقي.. أمنيتي أن تتزوج أختها وتجرب بنفسك!”. فصحت به: “يا عزيزي، إنك رجل تبحر في اقتصاديات الزواج حتى الأعماق، أما أنا فرجل محبة وعواطف جياشة”. أجابني: “اقتصاديات ماذا يا رجل؟ والله لقد غمرتني هذه المغربية بالحنان والاحترام، وفي كل لحظة يطربني صوتها وكأنه موسيقى سماوية وهي تقول: (حاضر حبيبي.. حاضر عيوني)”.
قلت له: “والله سأخبر (المدام)، وعندها ستمنعني من الحلاقة عندك!”. أجاب ضاحكاً: “يا رجل، أنت سبب سعادتي؛ والله لو حدث ذلك لأغلقتُ دكاني وجئتُ إلى بيتك لأمنحك أجمل حلاقة!”. فصحتُ فيه مازحاً: “والله أنت رجل (مسخوط) وسوف تضيعني، وأنا أستحق ذلك لأنني كنت السبب!”.
وتتواصل حكاياتنا ورواياتنا مع كل حلاقة؛ فانتظروني حتى ينمو شعري مجدداً، وأذهب لصاحبي (المسخوط) لأوافيكم بحلقة أخرى.