عشرة الايام / اميمة عثمان
منوعات / سودان سوا
عشرة الأيام ما بصح تنساها
كأنو ما حبيتك وكأنو ما عشناها
وضمانا أحلى غرام
ليه فجأة دون أسباب
من غير عتاب أو لوم
أخترت غيري صحاب
وأصبحت قاسي ظلوم
تنساب كلمات أغنية عشرة الأيام كأنها ليست مجرد لحنٍ عابر، بل طقسُ استدعاءٍ كاملٍ للذاكرة. ليست الأغنية هنا حدثًا سمعيًّا، بل تجربة وجودية لحظةٌ يتقاطع فيها الماضي بالحاضر،ويصير الصوت معبرًا سريًّا بين ما كان وما لم ينطفئ بعد.
هذه الكلمات لا تستعيد قصة حب فحسب،بل تُعيد تشكيل سؤال الفقد في أعمق صوره: كيف يمكن لعشرة أيام أن تتكثّف حتى تصير عمرًا كاملًا؟ وكيف لعمرٍ كاملٍ أن يتلاشى فجأة كأنه لم يكن؟
هنا تكمن المفارقة الوجودية الزمن في الحب لا يُقاس بالعدد، بل بالأثر. والذكرى لا تُحفظ بالتاريخ بل بدرجة الألم الذي تصونه في القلب.
في المقطع:
«ليه فجأة دون أسباب
من غير عتاب أو لوم»
يتجلى العبث في أنقى صوره. الفقد الذي لا يُبرَّر، والرحيل الذي لا يسبقه صراع،يترك الإنسان عاريًا من الحجة مسلوب القدرة على الفهم. كأن الراحل لا يكتفي بالغياب بل يصادر المعنى أيضًا. وهنا يبدأ الوجع الفلسفي:نحن لا نتألم لأنهم ذهبوا بل لأنهم أخذوا معهم تفسير الذهاب.
الذاكرة في هذا النص ليست أرشيفًا محايدًا إنها كائن حيّ.
«لم يُبْلِها الزمن
ولم يُبلِّلها الحنين»
فالزمن — الذي يفترض أن يكون مطر النسيان يعجز أحيانًا عن محو النقوش الأولى. وكأن بعض اللحظات خُلقت خارج منطق التآكل. إنها أزاميل داخلية، تنحت الوجدان كلما مرّت ريح الذكرى.
بين «حالك أسود النسيان» و«فاقع أصفر الألم» يقف الإنسان معلّقًا في برزخ الشعور لا هو قادر على النسيان فيرتاح، ولا هو يحتمل الذكرى فينجو. وهنا تتجلّى الطبيعة المزدوجة للشجن: إنه يغرّبنا ويقرّبنا في آنٍ واحد. يغرّبنا عن الحاضر،ويقرّبنا من أنفسنا الأولى —تلك التي أحبّت بلا حساب.
أما السؤال الأخير:
«فهل للراحلين إيابٌ
أو للماكثين ذهابُ؟»
فهو ليس سؤالًا عن عودة الأجساد، بل عن تحوّل الأرواح.
قد لا يعود الراحلون بأسمائهم وملامحهم، لكنهم يقيمون فينا بصيغٍ أخرى يصبحون زاوية نظر، أو حساسية زائدة أو خوفًا من تكرار الفقد.
وكذلك الماكثون لا يظلون كما هم؛ نحن أيضًا نرحل، لكن من الداخل. نغادر نسخنا القديمة بصمت، ونترك خلفنا بقايا أشخاصٍ كنّا نظنهم أبديين.
هذه الأغنية ليست بكاءً على حب مضى بل تأملٌ في هشاشة المعنى، وفي قدرة الصوت على بعث ما نظنّه مات. إنها تذكيرٌ بأن بعض العشَرات لا تنقضي، لأنها لم تكن زمنًا… بل كانت هوية.