اميمة عثمان : (فجيعة الاكتمال )
ذاكرةُ الدواخل ليست مخزنَ أحداثٍ، بل كينونةٌ ميتافيزيقيّة،
تلبسُ الغيمَ لا لتختبئ، بل لتتطهّر من صلابة اليقين.
هي معدنٌ لا يقبل الصدأ،
لأن ما يتآكل هو السطح،
أما الجوهر فمحروسٌ بقلق السؤال.
لا تكشفُ ساقَ لهفتها للصرح الذي شيّدته الأشواق عبثًا،
بل لتعلن أن الشوق هو المعماريُّ الوحيدُ للمعنى،
وأن القوارير التي مرَّدت جدرانه
لم تكن زجاجًا،
بل احتمالاتٍ شفافةً بين المرئيّ واللامرئيّ.
هي الذاكرة وحدها
من تمنح الحواسَّ إذنَها:
أشمُّ الفكرة قبل أن تتجسّد،
أرى القول قبل أن يُقال،
وأسمع الكتابة وهي تتكوّن في رحم الصمت.
فاللغة ليست أداةً للتعبير،
بل تجربةُ عبورٍ من المحدود إلى ما يتجاوز الترجمة.
توقدني كشمعةٍ واعية،
لا تحترق لتفنى،
بل لتختبر حدودَ الضوء في العتمة.
ومن أوّل الليل إلى آخر الغسق
تقيم في داخلي قيامةٌ أنثويّة،
أنوثةٌ لا تُختزل في الجسد،
بل في القدرة على الذوبان اختيارًا
قربانًا لفكرة النور.
أنا عابرةٌ، نعم—
لكن عبوري ليس حركةَ جسدٍ في المكان،
بل انتقالُ وعيٍ بين مستويين من الحقيقة:
من وقار الفجر، حيث البداياتُ احتمالٌ،
إلى مغرب الروح، حيث كلُّ اكتمالٍ ينطوي على فناء.
أبادلُ العابرين التحايا
كمن يعترف بأننا جميعًا مرايا مؤقّتة،
وأن صقل الدواخل
ليس فضيلةً أخلاقيّة
بل ضرورةً وجوديّة
لنرى أنفسنا في ارتداد الآخرين.
التفاصيل ترهقني
لأنها تُصرّ أن تُقنعني بأن الواقع مكتمل.
بين وطأة الضباب—حيث الشكُّ رحمة—
و”تسونامي” الحقيقة—حيث اليقين قاسٍ كالكارثة—
أتعلّم أن المطر لا يربّت ليواسي،
بل ليذكّر بأن الحزن لغةٌ أخرى للنموّ.
كلُّ قطرةٍ تتأتئ باسمي
لتكتبني سطرًا
ثم تمحوني فاصلةً.
مسافرةٌ بلا حقائب،
لأن من يحمل داخله وطنًا
لا يحتاج خارطة.
أنكرتني المحطّات
قبل أن تجرؤ على قراءة وجهي،
لكنني قرأتُ على ظهر اللافتات
ما تخشاه الأمكنة:
أن كلَّ “مرحبًا”
تحمل في طيّاتها
بذرةَ الوداع،
وأن الوداع ليس نهايةَ الطريق،
بل اعترافُ الطريق
بأننا لم نكن يومًا ملكَه.