المجلس التشريعي المرتقب بين أولوية التأسيس ومراجعة الوثيقة… ماذا قالت ندوة بورتسودان؟ بقلم: محيي الدين شجر
المجلس التشريعي المرتقب بين أولوية التأسيس ومراجعة الوثيقة… ماذا قالت ندوة بورتسودان؟
بقلم: محيي الدين شجر
أعادت ندوة بورتسودان حول المجلس التشريعي المرتقب والحركة النقابية في السودان فتح ملف ظل مؤجلاً لسنوات، رغم حضوره في صلب الوثيقة الدستورية الأولى. الندوة، التي شاركت فيها قيادات الاتحاد العام لنقابات عمال السودان ونقابة المحامين السودانيين، إلى جانب أكاديميين وخبراء وممثلي الإدارات الأهلية، كانت منصة لطرح أسئلة مؤجلة حول بنية المرحلة الانتقالية ذاتها.
قد يرى البعض أن لا علاقة مباشرة بين المجلس التشريعي والحركة النقابية، غير أن مجريات النقاش كشفت أن القضية أعمق من مجرد تمثيل، فهي تتعلق بطبيعة النظام الانتقالي، وآليات بناء مؤسساته، وحدود التوازن بين السلطات.
في ندوة حوارية رفيعة المستوى انعقدت اليوم ، طالبت نقابة المحامين السودانيين والاتحاد العام لنقابات عمال السودان بضرورة إعادة النظر في الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية قبل الشروع في تكوين المجلس التشريعي المرتقب، لضمان معالجة ما وصفوه بـ«الثغرات المتعلقة بآليات الاختيار وشروط العضوية».
الأمين العام لاتحاد نقابات عمال السودان، عماد الدين الفادني، شدد في كلمته الافتتاحية على الأهمية القصوى لوجود هيئة تشريعية تضطلع بالرقابة على النظام السياسي بما يتسق مع المواثيق الدولية، لكنه في الوقت ذاته طرح أسئلة جوهرية:
من يختار أعضاء المجلس؟ هل يتم الاختيار بواسطة أفراد؟ أم المجلس السيادي؟ أم الجهاز التنفيذي؟ وما هي معايير وشروط العضوية؟
هذه الأسئلة، بحسب الفادني، لا تجد إجابة واضحة في الوثيقة الدستورية التي وُضعت – كما قال – على عجل، مما يستدعي مراجعة شاملة قبل المضي في التشكيل. كما أثار إشكالية تمثيل الولايات الآمنة وغير الآمنة، متسائلاً عن كيفية تمثيل الولايات التي تشهد نزاعات، وهل يكون ذلك بالانتخاب أم بالتعيين، داعياً إلى رؤية نقابية مشتركة تحدد معايير دقيقة، مع ضرورة التدقيق في السير الذاتية للمرشحين لضمان الكفاءة في هذه المرحلة الحرجة.
من جانبه، رأى الجنيد أحمد صالح، رئيس نقابة النقل النهري والنقابي المخضرم، أن الحرب الراهنة تفرض مراجعة الأفكار التقليدية والاستفادة من دروسها لبناء سودان جديد، مطالباً بوضع آلية واضحة ومتفق عليها لاختيار أعضاء المجلس، ومقترحاً تشكيل لجنة قومية تستمع لكافة الأطراف وتخرج بتوصيات ملزمة.
أما مولانا طارق عبد الفتاح، فقد اعتبر أن وجود المجلس التشريعي مسألة حيوية، لكنه دعا إلى أن يكون التعيين – إن تم – على أساس الوفاق الوطني، وأن تقتصر مهام المجلس على الطابع الانتقالي لا التأسيسي، محذراً من أن يتجاوز المجلس اختصاصه نحو وضع دستور دائم للبلاد. كما توقع احتمال توتر بين مكونات السلطة عقب تشكيله، مؤكداً أن معيار الكفاءة يجب أن يتقدم على المحاصصة السياسية.
في تقديري، تكمن أهمية هذه الندوة في أنها لم تناقش “هل نكوّن المجلس أم لا؟” بقدر ما ناقشت “كيف نكوّنه؟ وعلى أي أساس؟”. فالسؤال اليوم لم يعد متعلقاً بأولوية وجود مجلس تشريعي فحسب، بل بمدى جاهزية البيئة السياسية والدستورية لتشكيله بصورة تضمن التوافق وتمنع إعادة إنتاج الأزمات.
حين تولى كامل إدريس رئاسة الوزراء، كنت قد ذكرت في حديث لقناة بي بي سي أن نجاح أي حكومة مدنية مرهون باستكمال مؤسساتها الدستورية، وعلى رأسها مجلس تشريعي فاعل ومحكمة دستورية مستقلة وصلاحيات واضحة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل الوقت مناسب لتعيين مجلس تشريعي؟ وهل سيتحقق حوله إجماع وطني حقيقي، أم سيكون مولوداً جديداً في بيئة ما تزال تبحث عن حدها الأدنى من الاتفاق؟
ندوة بورتسودان لم تقدم إجابات نهائية، لكنها رمت حجراً في بركة ساكنة، وأعادت النقاش إلى مربعه الصحيح: تأسيس مؤسسات المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن يتم بعجلة، بل برؤية واضحة، ومراجعة دقيقة، وتوافق واسع يقي البلاد مزيداً من الانقسام.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نبدأ بتشكيل المجلس، أم نبدأ أولاً بتعديل الأساس الدستوري الذي سيقوم عليه؟