سلطانة الطرب ملاذ غازي.. ظهور خجول رغم مكامن الإبداع
سلطانة الطرب.. ملاذ غازي حين يصبح الإحساس وطناً للصوت السوداني
إعداد :سودان سوا
تمثل الفنانة السودانية الشابة ملاذ غازي ملاذاً حقيقياً لعشّاق الطرب الأصيل، عبر أغنيات تترنم بها بإحساس عالٍ يلامس الوجدان، مثل: نسانا حبيبنا، بعد الغياب، طيفو طايف، وقطارو حلا، إلى جانب براعتها اللافتة في أداء أغنية صغيرون للفنان الكبير عمر إحساس، والتي قدّمتها بروح جديدة حافظت فيها على أصالة العمل وعمقه.
ومنذ ظهورها الأول في برنامج أغاني وأغاني عام 2019، تنبأ لها كثير من المراقبين والنقاد بأن تنطلق «بسرعة الصاروخ»، واصفين إياها بأنها مطربة تمتلك إحساساً عالياً وقدرة تطريب واضحة، وصوتاً يعرف طريقه إلى القلوب دون استئذان. وبالفعل، فرضت ملاذ حضورها الفني، حتى بات من حقها أن تُلقّب بـ سلطانة الطرب.
ورغم هذه الموهبة الاستثنائية، جاء ظهورها الإعلامي خجولاً مقارنة بمطربات أخريات لا يملكن ذات العمق الفني أو الحسّ الغنائي، غير أن هذا التواري لم يكن ضعفاً بقدر ما كان خياراً فنياً يعكس شخصية تؤمن بالتراكم والجودة لا بالضجيج والانتشار السريع.
وتعود جذور ملاذ غازي الفنية إلى كورال كلية الموسيقى والدراما، حيث صقلت موهبتها أكاديمياً وعملياً، مستفيدة من دراستها لعلم الأصوات، الأمر الذي مكّنها من إتقان اللهجات واللغات الغنائية المختلفة. وقد لفتت الأنظار بشكل خاص عند أدائها أغنيات نوبية بلكنتها الأصلية، في تجربة نادرة أكدت قدرتها على الغوص في عمق التراث السوداني وتقديمه برؤية معاصرة.
وتنحدر ملاذ من أصول سودانية ثرية؛ فوالدها من القطينة ووالدتها شايقية من نوري، وهو تنوع ثقافي انعكس بوضوح على اختياراتها الفنية ومرونتها الصوتية. كما شاركت في عدد من البرامج التلفزيونية، من بينها أغاني وأغاني على قناة النيل الأزرق، وبرنامج يلا نغني على قناة الهلال، إلى جانب تقديمها لأغانٍ خاصة تمثل بصمتها الفنية المتفردة.

ما يميز ملاذ غازي عن كثير من مجايليها ليس الصوت وحده، بل وعيها الموسيقي وقدرتها على إعادة تعريف الأغنية السودانية الكلاسيكية بصوت أنثوي ناضج، يحترم النص واللحن، ويمنحهما حياة جديدة. فهي لا تؤدي الأغنية، بل «تسكنها»، وتعيد تشكيلها وجدانياً، مستندة إلى مدرسة الطرب السوداني العميق، في زمن باتت فيه الساحة تميل إلى السهولة والسطحية.
بهذا التوازن بين الأصالة والتجديد، تواصل سلطانة الطرب شق طريقها بثبات، مؤكدة أن الصوت الحقيقي قد يتأخر حضوره، لكنه حين يكتمل، لا يزول صداه.