رحيل بونا ملوال.. السودان وجنوبه يودعان أحد أعمدة الحكمة والتاريخ السياسي
رحيل بونا ملوال.. السودان وجنوبه يودعان أحد أعمدة الحكمة والتاريخ السياسي
جوبا –سودان سوا
ودّعت الساحة السياسية والفكرية في السودان وجنوب السودان أحد أبرز رموزها التاريخية، برحيل القيادي والمفكر المخضرم مولانا بونا ملوال، عن عمر ناهز الـ97 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الوطني امتدت لما يقارب سبعة عقود من العمل العام.
وأكدت مصادر رسمية في جوبا أن الراحل توفي مساء الأحد بعد صراع قصير مع المرض، وتم تشييعه في ولاية بحر الغزال، مسقط رأسه، في موكب رسمي وشعبي كبير حضره عدد من القيادات الوطنية والدينية والمجتمعية.
ونعت رئاسة جمهورية جنوب السودان وعدد من الشخصيات السودانية البارزة الراحل، مشيدين بدوره التاريخي في ترسيخ قيم السلام والتعايش والوحدة الوطنية، ووصفوه بأنه “صوت الحكمة والعقل في أحلك المراحل التي مر بها السودان”.
مسيرة حافلة بالعطاء والفكر
وُلد بونا ملوال عام 1928م في ولاية بحر الغزال، ودرس في جامعة إنديانا بالولايات المتحدة عام 1963، قبل أن يواصل دراساته العليا في كلية كولومبيا عام 1969، حيث صقل شخصيته الأكاديمية والسياسية التي جمع فيها بين الفكر والإدارة.
بدأ مشواره السياسي في ستينيات القرن الماضي ضمن جبهة الجنوب، ثم تولى لاحقاً وزارة الإعلام والثقافة في عهد الرئيس جعفر محمد نميري، ليصبح من أبرز القادة الجنوبيين الذين سعوا إلى بناء جسور من التفاهم بين الشمال والجنوب.
عرف عن الراحل أنه مفكر وكاتب من الطراز الرفيع، تناول في مؤلفاته وتحليلاته قضايا الهوية الوطنية والعلاقات بين شمال السودان وجنوبه، وكان من الأصوات البارزة الداعية إلى الوحدة الطوعية والتعايش السلمي، دون أن يغفل حق تقرير المصير لشعب الجنوب.
رمز للحكمة والتوازن
تميّز بونا ملوال بقدرته على التوفيق بين الرأي والفكر، وبين الموقف السياسي والانفتاح الثقافي، واعتُبر جسراً حقيقياً بين السودان وجنوبه، ورمزاً للتاريخ المشترك بين الشعبين.
وصفه مثقفون بأنه “ذاكرة السودان الحديث”، وأن رحيله يمثل فقداً كبيراً للبلاد في مرحلة تتطلب أصواتاً عاقلة مثل صوته.
برحيله، يغيب أحد آخر الشهود على مراحل السودان المفصلية، من الحكم الذاتي إلى الاستقلال، مروراً باتفاقية أديس أبابا ثم انفصال الجنوب، لكنه يترك خلفه إرثاً من الفكر والكتابة السياسية التي ستظل مرجعاً للأجيال القادمة.