حين صمتت سنابلنا… وصار خبزنا غريبًا/ بقلم: د. صلاح دعاك

حين صمتت سنابلنا… وصار خبزنا غريبًا
بقلم: د. صلاح دعاك

في زمنٍ ليس ببعيد، كان الريف السوداني يطعم المدن، وكان خيره يمتد من الحقول إلى موائدنا، بلا حاجة لباخرة قادمة من وراء البحار. اليوم، تغيّر المشهد رأسًا على عقب، حتى صار رغيفنا غريبًا عنا، تستورده السفن من أقاصي الأرض، بينما سنابلنا صارت صامتة، وأرضنا الخصبة هجرتها الأيدي التي كانت تعرف سرّ العطاء.
واحدة من الإشكالات الاستراتيجية الخطيرة التي طرأت على السودان في السنوات الأخيرة، هي التغيير الجذري في النمط الغذائي، خاصة في الريف، حيث تخلّى الناس عن اعتمادهم على المنتجات المحلية الطبيعية، واتجهوا نحو القمح كمصدر غذاء رئيسي، بصورة كاملة، على حساب الذرة، والدخن، والماريق، والفتريته… وهي مواد غذائية ذات قيمة أعلى، ومنتجات فطرية، غير معدلة وراثيًا، لم تعبث بها يد الإنسان. ترك الناس ما وُلدوا عليه من غذاء نقي، وتوارثوه جيلًا بعد جيل، وأصبحوا يلهثون خلف القمح المستورد من أقاصي الأرض، وهو أقل فائدة غذائية، وأكثر ارتباطًا بتقلبات السوق والسياسة.
السؤال الجوهري: لماذا غيّر الإنسان السوداني هذا النمط الغذائي الطبيعي، الصحي، الآمن، إلى خيارات تجعله رهينة في يد الآخرين، يخضع فيها لقوى سياسية تتعامل مع القمح كسلاح استراتيجي؟ كيف أصبح رغيف الخبز سلعة سياسية، يتحكم فيها “ديناصورات” الجغرافيا السياسية والاقتصادية، وتُدار بها معارك لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟
أتعجب من ساكني الريف والمدن الصغيرة، ممّن بيوتهم ما زالت “حدادي مدادي”، لكنهم يشترون الحليب من المزارع البعيدة. أتعجب كيف اندثرت عادة تربية الأغنام والأبقار في حظائر ملحقة بالمنازل، كانت تكفي أهل البيت وربما الجيران؟ بل كانت هناك حظائر صغيرة حول أطراف المدن، يقصدها أصحابها في أمسياتهم، يتنزهون وهم ينظرون إلى أغنامهم وأبقارهم ودواجنهم، يستمتعون بالهدوء وبالجمال الطبيعي: “ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون”.
أعجب لمن يسكن الريف أو ضواحي العاصمة ويشتري دستة البيض بثمن دجاجة. أين ذهبت عادة تربية الدواجن والحمام في البيوت، التي كانت تكفي الأسرة والعائلة الممتدة؟ أين اندثرت ثقافة الإنتاج اليدوي؟ وأين ذهبت تلك المزرعة الصغيرة، خلف كل بيت، التي كانت تنتج الخضروات الموسمية من دون حاجة إلى المبيدات أو الأسمدة المستوردة؟ كان الإنسان يزرع ما يكفيه، ويبيع الفائض، فيأكل من نتاج يده، ويشعر بقيمة ما أنعم الله عليه به، فيتصل بالأرض اتصالًا روحيًا عميقًا، يشكره بصمتٍ وعمل.
أن تعيش في الريف أو في مدينة صغيرة ثم تشتري اللبن والبيض والخضروات من السوق، فتلك مفارقة لا يصدقها عقل، ولا يُقرها منطق. فما هي إذًا ميزة السكن في الريف إن لم تكن الاكتفاء الذاتي؟ و ماهي ميزة الحياة في الريف اذا لم أكن أمارس هذه الانشطه الجميله، ، أليست هذه البيئة الممتدة، والطبيعة الحانية، والهواء النقي، ومجال الحركة والعمل اليدوي، كنوزًا كانت تمنحنا الصحة الجسدية والنفسية والرضا؟ أليس في الزراعة وتربية الحيوان ما يجعل الإنسان جزءًا من هذا النظام البيئي المتكامل (Ecosystem)، وما ينتجه بيده له طعم خاص ومتعة مضاعفة؟ إن الامتنان لله لا يأتي أصفى ولا أصدق من لحظة ترى فيها ثمرة تعبك، فترفع يديك للسماء وتقول: الحمد لله على نعمة الرزق من الأرض.
كم شدّني الحنين إلى تلك البقاع… كم تمنيت أن تعود بي عجلة الزمن إلى الوراء، إلى أيام الريف البسيطة في كردفان ، في المجلد و بابنوسه ، إلى تلك التفاصيل الصغيرة: شروق الشمس على حقول الذرة و الابقار تتجمع لتبدأ مسيرتها للمرعي ، وصوت الدجاج في الصباح لا توجد منبهات صوت ، صوت الديكه و العصافير في الشجر هو المنبه الطبيعي ، ورائحة اللبن المقنن الطازج، وعبق الأرض و رائحة الدعاش بعد المطر ، كم تمنيت أن أتنفس من جديد هواءً حقيقيًا لا تصنعه المكيفات، وأجلس في ظل شجرة لا يزاحمني فيها أحد، وأسمع ضحكات الوجوه البشوشة غير المتجهمة، وألتقي العيون الصافية غير الزائقه الخائفة من الغد.
أذكر في إحدى أسفاري إلى كردفان، وأنا في طريقي إلى المجلد، مررت بمنطقة تُدعى “الأُضَيّة”، لمن لا يعرفها، تقع بين “أم جاك” و”أم طجوك” في غرب السودان (اتمني ان لا اكون قد فسرت الماء بالماء ). هناك التقيت امرأةً عجوزًا تُدعى ميمونة، تتوكأ على عصاها، لكنها في صحة جيدة، تحمل في ملامحها سلامًا داخليًا و عزة نفس ان تجد مثلها. كانت تسكن في كوخ صغير، وخلفه مزرعة بسيطة “جبراكة” تنتج منها الذرة، البامية (الضرّابة)، اللوبيا، الفريك، وعيش الريف. لم تكن ميمونة تنتظر أحدًا، بل تنتج ما يكفيها وتفيض. أمام كوخها زريبة بها أغنام ترعاها بنفسها، وبقرة حلوب تحلب لبنها صباحًا ومساءً، وتنتج منه السمن واللبن الرائب. حول الكوخ عدد من الدجاج البري البيّاض، تبيع البيض والسمن في السوق المحلي، وتشتري بما تكسبه ما تحتاجه من حاجيات بسيطة هي لا تستطيع ان تزرعها و لو كان ممكنا لفعلت،، السكر و الشاي و البن .
تأملت هذه المرأة بدهشة وإعجاب، وقلت في نفسي: ميمونة تملك ما لا نملك. اكتفاء ذاتي، صحة جيدة، عمل دؤوب مستمر، ورضا عميق بالحياة. إنسان منتج فاعل يعيش بكرامة دون أن يمد يده لأحد. نموذج ريفي نادر كان ينبغي أن يُحتذى به، لا أن يُنسى في زحمة المدينة وضجيج المدنية.
لو أصبح ريفنا كحال ميمونة، لو اكتفى الناس بما ينتجونه، لو توقفت الهجرة المستمرة إلى العاصمة، وانشغل الناس بإنتاجهم الحقيقي لا بوظائف وهمية وأعمال هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع، لنهض السودان. ولكن ما الذي دفع الناس إلى النزوح وترك أرض الأجداد؟
إنه غياب التخطيط السليم، وافتقار الأرياف لأبسط مقومات الحياة الكريمة. فقد أُهمل الريف طويلًا، فلم تُوفَّر فيه خدمات التعليم، ولا الصحة، ولا البنية التحتية، فاضطر الإنسان الريفي إلى الهجرة، يطارد سراب المدينة، فيترك خلفه أرضًا خصبة، وبيئة كريمة، ويقع فريسة للذل والاستغلال والإهانة.
المخرج من هذه الأزمة ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية، وإيمان صادق بأن نهضة السودان تبدأ من الريف. نحتاج إلى خطة وطنية شاملة لإعادة الروح إلى الريف: خدمات متكاملة، مدارس ومستشفيات، دعم زراعي وحيواني حقيقي، قروض بنكية ميسّرة، مدخلات إنتاج بأسعار معقولة، تسويق آمن للمنتجات، وصناعات تحويلية ترفع من قيمة ما ننتجه، وتخلق وظائف وفرصًا للشباب في الريف، لا على أطراف المدن.
علينا أن نعود إلى غذائنا السوداني الأصيل، نأكل مما نزرع، وننتج ما نلبس، ونفخر بما نصنع. فاستمرار الاعتماد على القمح المستورد يعني أن تبقى إرادتنا مرهونة بغيرنا، وأن نعيش تحت رحمة الآخرين. وإن أردنا أن ننهض، فلابد أن نبني اقتصادنا من تحت، من التراب، من الزراعة والرعي، من الأيدي التي تكد وتنتج… من ميمونة وغيرها من نساء ورجال السودان الصادقين.
نسأل الله أن يُنهي عنا هذا البلاء، وأن يُطفئ نار الحرب التي مزّقت أوصال الوطن، وأدمت القلوب، وشردت الآمنين، وأن يُنزل علينا سكينته، ويجمع شتات أهل السودان على كلمة سواء، تسودها روح الصلح والسلم والمصالحة. يومها، سيعود كلٌّ منّا إلى أرضه ومصدر خيره، يزرع وينتج ويعمر، ويأكل من عمل يده، ويعيش مرفوع الرأس. اللهم اجعل السودان آمنًا، ناميًا، منتجًا، مزدهرًا، ووفّق أهله لما فيه عزّهم وخير أمتهم، يا رب العالمين.