السودان من اليأس إلى النهضة
بهدوء وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي
السودان من اليأس إلى النهضة
بعد عقود من الدوران في حلقة الأزمات، يقف السودان اليوم أمام مفترقٍ لا يحتمل التردد. يكثر الحديث عن مستقبل البلاد، وتتباين التقديرات ما بين اليأس والرجاء، لكن سؤالًا مفصليًا يجب أن يُطرح الآن بكل تجرد: ماذا لو قررت الدولة السودانية، بكل شجاعة، أن تبدأ فورًا وبصورة جادة في تطبيق التحرير الاقتصادي الشامل، والحوكمة المؤسسية الرشيدة، والرقمنة المتكاملة في آنٍ واحد؟ ماذا يمكن أن يحدث حتى في ظل الأزمات الراهنة من فقر واضطراب سياسي وأمني وركود اقتصادي؟
الجواب، وفق التجارب العالمية والمعطيات الواقعية، أن السودان يمكن أن ينتقل من دولة غارقة في الأزمات إلى واحدة من أكثر الدول نموًا في القارة، إذا ما أُحسن تنفيذ هذه الثلاثية المتلازمة. فالتحرير يطلق الطاقات المكبّلة، والحوكمة تضع القواعد وتمنع الانحراف والفساد، والرقمنة تجعل كل ذلك قابلًا للتنفيذ والمتابعة في الواقع اليومي.
في المراحل الأولى من التطبيق، ستظهر انفعالات أولية تشبه “الصدمة”، لكنها ليست سلبية، بل انعكاس طبيعي لكسر الجمود الذي تراكم لعقود. ستتبدى مقاومة من فئاتٍ ارتبطت مصالحها بالوضع المختل السابق، وسيتردد على الألسن حديث عن الغلاء والاضطراب وضياع الجنيه. غير أن هذه الموجة لن تطول، وسرعان ما سينكشف أن التحرير المنضبط بالحوكمة والرقمنة هو طريق الاستقرار لا الفوضى. فحين تُدار الأسواق بشفافية، وتُضبط الحركة المالية برقمنةٍ دقيقة، وتتوقف الفوضى المقنّعة بسياسات “الحماية الاقتصادية” التي عطّلت طاقات السوق، كقيود الاستيراد وتجميد سعر الصرف، فتقيّدت بها حركة الإنتاج بدل أن تُطلَق طاقاتها.
ومع الوقت، ستتراجع ظواهر التهريب والاحتكار، وسيتحوّل رأس المال من نشاط المضاربة إلى الاستثمار الإنتاجي، وسيبدأ المواطن والمغترب والمستثمر الأجنبي على السواء في استشعار الجدية. الثقة بالنظام المصرفي ستعود، والتعاملات ستصبح أكثر شفافية، والأسواق أكثر تنافسية وعدلًا.
وحين تتعزز هذه الثقة، سينتعش تمويلُ البنية التحتية والمشروعات الكبرى بوتيرة متسارعة عبر صيغ التمويل الفاعلة مثل نظام الـBOT والـPPP والشراكات الذكية بين القطاعين العام والخاص، مما يتيح تنفيذ المشاريع الجذرية التي تنهض بالبلاد وتُحدث نقلة حقيقية في مرافقها الإنتاجية والخدمية، دون إرهاق الموازنة العامة أو الارتهان للديون التقليدية.
فهذه الصيغ التمويلية لا تنشط إلا في بيئةٍ تتحوّل منها وإليها الأموال تلقائيًا دون قيود، وتسودها الشفافية والانضباط، وهو ما تصنعه البيئة المحررة والحوكمة والرقمنة معًا.
وسيتحرك الإنتاج الحقيقي — زراعة وصناعة وطاقة وخدمات — في اتجاه تصاعدي. البطالة ستتراجع تدريجيًا بفعل تنوّع الأنشطة الجديدة، لا بسبب وظائف الدولة، بل بسبب فرص العمل الحر والمشروعات الصغيرة والمنصات الرقمية التي تربط الناس بمواردهم وفرصهم.
وعندما تترسخ الرقابة الرقمية والحوكمة الشاملة، تبدأ الدولة في كسب ثقة الداخل والخارج، فيُسدّ العجز من غير ضرائب جديدة، بل من خلال ضبط الفاقد وتوسيع القاعدة الإنتاجية. القضاء الرقمي سيعيد الثقة في العدالة، والحوكمة الرشيدة لإدارة الأراضي والموارد ستُنهي الفوضى في التملك والاستغلال، ويغدو المواطن شريكًا في دولة منضبطة الرؤية والسياسات.
ولا يمكن تحديد زمنٍ قاطع لظهور النهضة، لأن تضافر هذه العوامل قد يجعل التحول أسرع مما يُتوقع. فقد تتبدّى مظاهر النهضة الشاملة خلال فترةٍ لا تتجاوز خمس سنوات، لكن أثرها سيُحسّ كل بضعة أشهر، وربما كل يوم، لمن يتأمل بعين الفاحص. فحين تبدأ المنظومة في العمل بتناغم، يتحرك كل قطاع ليعزز الآخر، فيُختصر الزمن وتتسارع النتائج.
إن التحرير الشامل، والحوكمة الراشدة، والرقمنة المتكاملة ليست ترفًا فكريًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل معادلة النجاة الوحيدة. فدولة بلا تحرير عاجزة، ودولة بلا حوكمة فاسدة، ودولة بلا رقمنة عمياء. أما إذا اجتمعت هذه الثلاثية في لحظة صدق وقرار، فإن السودان لن يحتاج عقودًا، بل سيبدأ نهضته في عامٍ واحد، ويواصل البناء بثبات نحو المستقبل.
كل المطلوب أن نقرر. أن نبدأ. وأن لا نتراجع.