الدين غطاء للشماتة/ بقلم محمد طلب

*الدين غطاء للشماتة*

كثيراً ما يصب عليّ البعض غضبهم ، مما اطرحه من مواضيع ، في محاولة للكشف عن السوء الذي يعترينا ، والذي نحاول التستر عليه وعدم فضحه كي نحافظ علي الصورة المتخيلة لنا امام الاخرين …
والتي رسمناها بانفسنا عن شخصيتنا وكل يوم نحاول اضافة لون جديد وجميل مع تبرير قبيح للاضافة …

لكن المتأمل في الجُمل البسيطة والصغيرة التي تكاد تكون جزء من حياة الناس وفهمها الذي يرضي غرورها ، يجد انها كم من العيوب المُدثرة بالوان مختلفة ومتناقضة ..

في طرحي لبعض قضايا (القرية) اثناء فترة الحرب ، لم يجد احدهم للرد علي طرحي سوي جملة مصحوبة بالقسم واربعة كلمات فقط، وهي الجملة التي سوف تكون محور حديثنا..
ولكن قبل ذلك يجب الاشارة للحقائق التالية
من قال الجملة متخفياً تحت اسم مستعار .. هو من الذين لهم معرفة بي وقد يكون (قريباً او صديقاً) او جاراً لا يبدئ العداء فهو ملم بدرجة ما ببعض تفاصيل حياتي او ما أصابني من ابتلاءات.. كما انه جبان ومتخفي ولا يستطيع المواجهة .. ومعظم اهل (القرية) لا يحبون المواجهة ينافقون يبدون خلاف ما يبطنون إلا من رحم ربي ..(ودا ما موضوعنا)…..

نعود الي الجملة التي قلنا انها محور حديثنا، عندما قال لي ذلك المتخفي :

*” والله.. الله ما خاطئ عليك.. كان شلاك”*

عندما قال جملتها مسبوقة بالقسم كان يقصد الشلل الذي اصابني نتيجة جلطات دماغية ربما يكون هو و اشباهه السبب فيها مع الاسباب الاخري من جانبي…المهم (دا ما موضوعنا) برضو…..

*الله ما خاطئ عليك*

اخذت هذه الجملة *(التقريرية)* الحاسمة تفكيري لوقت طويل فهي جملة مستخدمة بشكل طبيعي في حياتنا ربما لا يستوفف الناس لكنها جملة تستحق وقفات و وقفات فهي توضح بجلاء الازدواجية التي تجتاح الوجدان والانسان السوداني والتي اتناولها في مقالاتي وهي التي جلبت لي عبارة:

*والله الله ما خاطئ عليك*
من ذلك الاهطل والغبي المتخفي كي يضع نفسه موضع *(المُقيم لأقدار الخالق )*…

في الحياة السودانية هناك عبارات لا تُقال عبثاً، فهي تحمل من (الدهاء الشعبي) أكثر مما تحمله من الإيمان البسيط. واحدة من هذه العبارات التي تستحق التأمل هي:
*الله ما (خاتي) خاطئ عليك.*

عبارة صغيرة في لفظها وعدد كلماتها لكنها كبيرة جداً في ما تخفيه من حكم وموقف ومرارة…

جملة عادية تُقال حين تصيب أحدهم مصيبة، صغيرة كانت أم كبيرة وغالباً تأتي من شخص يقف على الرصيف يتفرج على الألم. الجملة في ظاهرها تسليم بالقضاء والقدر، لكنها في باطنها *حكم بالإدانة*، كأن قائلها يوقع شهادة عدالة السماء ويقول:

(ربنا ما ظلمك، دا جزاءك المستحق.) ويضع نفسه موضع( المقرر) والحاكم في الخطأ او الصواب في ذلك القدر المقدر

هكذا ببساطة، يتحوّل *(الدين إلى غطاء للشماتة)* والقدر إلى أداة تبرير اجتماعي لكل ما يحدث. ولأننا شعب بارع في صناعة العبارات و(الخدع) لنخبئ داخلها كل ما لا نجرؤ على قوله صراحة ، فنحن لا نقول (ربما لخير )، بل نقول *(الله ما خاتي عليك)* …

المصيبة الحقيقية في العبارة ليست في ما تحمله من شماتة فقط، بل في ما *(تمنحه لقائلها من سلطة وهمية على الأقدار)*…

فهو في لحظة واحدة يتحول إلى مفتي في شؤون الغيب، و *يقيس عدالة الله بمقاييسه الشخصية* ويبرئ السماء من (ظلمٍ) لم يحدث أصلاً. إنها لحظة غرور متخفية بالتدين، *تضع الإنسان في موضع القاضي على مصير أخيه الإنسان*

حقيقة العبارة انها ممارسة للشماتة بطريقة تبدو (شرعية) بنسبتها للإله.. وتعالي الله عن ذلك الافتراء..

انها عبارة تمثل الإنتقام والتشفي بطريقة متدثرة بثوب (العدل الإلهي) مع عدم العلم بمفهوم العدل الالهي..

في النهاية عبارة (الله ما خاطئ عليك) ليست مجرد جملة دارجة، بل *(مرآة تعكس كيف نتعامل مع مصائب الاخرين وإبتلاءتهم )* بمزيج غريب يجمع بطريقة عجيبة بين الورع والتشفي، و الإيمان الزائف والتبرير النفسي. هي جملة صغيرة تُختصر فيها فلسفة كاملة عن علاقتنا بالقدر والعدالة والغيرة والشماتة، وكلها أشياء *تتجاور في قلوبنا كما تتجاور المتناقضات في حياتنا*

ويبقى السؤال المفتوح هل نقولها لأننا نؤمن حقاً بعدالة الله؟؟؟؟
أم لأننا نرتاح حين نرى غيرنا يدفع ثمن ما لا نملك الشجاعة لنفعله نحن؟؟؟

وختاماً نسأل الله السلامة للجميع … وعلي المستوي الشخصي ان ما حدث لي كان قدراً أخفي المولي عز وجل خلفه كثير من الخير وانا مؤمن بشكل كبير ان ما حدث لي خير كبير ولو ادركتني هذه الحرب وانا بكامل الصحة لكان وراء ذلك شر فهناك اية مرتبطة بالقتال تقول:

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

وختاماً لا املك إلا قولي المتكرر لا للحرب و امنياتي بالسلامة و السلام للجميع

سلام
محمد طلب