“من يشكو الرسوم… فليجرب الحفر!”

الهيئة تُشيّد رغم الحرب.. ورسوم العبور ليست جريمة!”
بقلم: محيي الدين شجر

في زمنٍ تعجز فيه الوزارات والمؤسسات عن الصمود أمام ضربات الحرب والاقتصاد المنهار، تبرز الهيئة القومية للطرق والجسور كاستثناءٍ وطنيٍّ مشرف، تقاتل على جبهةٍ أخرى لا تقل أهمية عن جبهة السلاح — جبهة البقاء والتنمية.

أستغرب، بل أتعجب، من نبرة الاعتراض العالية التي صدرت مؤخرًا من بعض شركاء الطريق — من سائقي الشاحنات وأصحاب البصات السفرية — على الزيادات المحدودة التي فرضتها الهيئة في رسوم العبور.
فالزيادة ليست عبئًا، بل ضرورة للبقاء.

من غير المنطقي أن تتضاعف أسعار النقل مرات ومرات بسبب انهيار الجنيه السوداني، بينما تُرفض زيادة رمزية تخصص بالكامل لصيانة الطرق القومية!
كيف يُطلب من الهيئة أن تُبقي الطرق صالحة وآمنة، بينما حُرمت من مواردها في دارفور وجزء من كردفان بفعل الحرب؟
وهل الأفضل لشركاء الطريق أن يسيروا فوق الإسفلت المتآكل والحفر التي تبتلع العجلات، أم على طريقٍ ممهدٍ يختصر المسافات ويقلل الحوادث؟

إن رسوم العبور التي أجازتها وزارة المالية الاتحادية مؤخرًا ليست ضخمة كما يُصوَّر.
هي أقل من قيمة تذكرة بصٍ سفري واحدة، وأقل من سعر طنٍ واحدٍ تحمله الشاحنة. لكنها كفيلة بأن تُبقي الطرق حيّة، وأن تُغذي مشاريع الصيانة التي لولاها لانهارت الشبكة القومية تمامًا.

لننظر إلى طريق الكرامة – القضارف – الحواتة – أم رخم – الدندر الذي أنجزته الهيئة بطول 150 كيلومترًا في 45 يومًا فقط.
إنه إنجاز وطني بكل المقاييس، أسهم في تحرير مناطق بكاملها، وفتح خطوط الإمداد نحو الدندر وسنجة وود مدني وأم روابة، وساعد في فك حصار الأبيض.
هذا المشروع لم يكن ليُنجز لولا رؤية مدير الهيئة المهندس المستشار جعفر حسن آدم، وحكمة إدارته التي أحسنت توظيف رسوم العبور فيما يخدم المصلحة العامة.

تُشير التقديرات العالمية إلى أن كلفة تشييد كيلومتر واحد من الطرق المعبدة تبلغ نحو 550 ألف دولار أمريكي، بينما تصل تكلفة الكيلومتر في الطرق ذات المواصفات العالية إلى أكثر من مليون دولار.
أما طن البتومين وحده فيصل إلى ألف دولار بعد احتساب النقل.
فهل يُعقل أن يُطلب من الهيئة أن تُشيّد وتصون وتُعبّد الطرق في ظل هذه التكاليف الباهظة ودون رسومٍ عادلة؟

إن الهيئة القومية للطرق والجسور تعمل في ظروفٍ تكاد تكون مستحيلة، ومع ذلك تُنجز وتبدع.
في المقابل، نرى بعض الغرف القومية — مثل غرفة الشاحنات — تكتفي بالشكوى، بدل أن تبادر بالمساهمة في صيانة الطرق التي تجني منها أرباحها.
أليس من واجب الشراكة الوطنية أن تبادر الغرفة بصيانة بضعة كيلومترات على الأقل من طريق بورتسودان – كسلا الذي شرعت الهيئة في تأهيله رغم الحرب؟

ما يحدث اليوم هو مفارقة مؤلمة:
الهيئة تعمل بإمكانيات شبه معدومة، فيما يعترض شركاؤها على مصدرها الوحيد للتمويل — رسوم العبور!

إن من يرفض هذه الزيادات الرمزية، كمن يرفض دفع ثمن سلامته على الطريق.
فصيانة الطرق ليست ترفًا، بل حماية لأرواح الناس واقتصاد البلاد.

ولذلك أقولها بوضوح:
رسوم العبور ليست جريمة، بل هي شريان حياة لطرقات تنهكها الحرب والعجز المالي.
والهيئة القومية للطرق والجسور أثبتت — بالعمل لا بالكلام — أنها قادرة على البناء في زمن الانهيار.

فلتتوقف الضوضاء، ولينظر الجميع إلى الطريق ذاته…
فمن سار عليه بأمان، فليتذكر أن وراء ذلك رسوماً دُفعت، وأياديَ عملت، ووطناً لا يزال يقاوم بالحجر والإسفلت.