د. ساتي حسن ساتي.. هبة الشمال الطبية في زمن الحرب
د. ساتي حسن ساتي.. هبة الشمال الطبية في زمن الحرب

بقلم: محيي الدين شجر
كان القطاع الصحي في الولاية الشمالية لعقود طويلة يعاني من ضعف الإمكانات وقلة التجهيزات الطبية، الأمر الذي جعل أبناء الشمال يشدّون الرحال نحو الخرطوم بحثًا عن العلاج، في رحلة كانت تختصر حكاية الحرمان والإهمال.
لكن المفارقة أن الحرب التي مزّقت السودان كانت، في جانبٍ منها، نقطة انطلاق لنهضة صحية غير مسبوقة في الشمالية. إذ وسط ركام الحرب وشُحّ الموارد، بزغ نجم رجلٍ أعاد للقطاع الصحي أنفاسه، فكان بحق هبة السماء لأرض الشمال الجرداء.
ذلك الرجل هو الدكتور ساتي حسن ساتي، الذي تقلد منصب المدير العام لوزارة الصحة بالولاية الشمالية والوزير المكلّف في نوفمبر 2023، ليبدأ منذ لحظة تكليفه مرحلة جديدة من العمل الجاد والإنجاز المتتابع.
لم ينتظر د. ساتي الظروف لتتحسن، ولم يرفع شعار “الإمكانات لا تسمح”، بل جعل من قهر المستحيل منهجًا إداريًا. فخلال فترة وجيزة، شهدت الولاية طفرة نوعية في بنيتها الصحية:
إنشاء قسم الطوارئ والإصابات بمستشفى التضامن في الدبة، لتقليل التحويلات وتقديم الخدمات العاجلة داخل الولاية.
افتتاح قسم القسطرة القلبية بمستشفى دنقلا التخصصي، وهو إنجاز وضع حداً لمعاناة مرضى القلب الذين كانوا يتنقلون مئات الكيلومترات للعلاج.
إطلاق مشروع مستشفى محمد زيادة للأطفال، ليكون مركزًا متخصصًا في طب الطفولة والرعاية المتقدمة.
تشييد مخازن ومستودعات للأدوية لتأمين الإمداد الدوائي في ظل الأوضاع الطارئة.
تركيب أجهزة الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية في حلفا ودنقلا لأول مرة، مما غيّر ملامح الخدمات التشخيصية.
افتتاح مركز العزل في دنقلا لمواجهة الأوبئة وتعزيز الجاهزية الوبائية.
مشروعات توسعة وتحديث في مستشفيات كريمة ومروي عززت من انتشار الخدمات في كل المحليات.
وغيرها من المشروعات التي نفذت وتلك التي تنفذ حاليا
كل هذه الخطوات جاءت في أصعب الفترات التي مر بها السودان، حين كانت أغلب الولايات تُغلق أبوابها أمام الخدمات، بينما كانت الشمالية تفتح نوافذ الأمل.
اللافت أن هذه الطفرة لم تعتمد على موارد الولاية وحدها، بل على قدرة الرجل في استقطاب الدعم وبناء الشراكات مع منظمات محلية ودولية، ومخاطبة الجهات المركزية بلغة الأرقام والإنجاز لا بالشعارات.
لقد أثبت د. ساتي أن النجاح ليس صدفة، وأن القيادة الفاعلة قادرة على تحويل “الفسيخ إلى شربات” حين تمتلك الرؤية والإرادة.
بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهدت الولاية الشمالية نزوحًا غير مسبوق تجاوز مليوني مواطن، فيما لا يتعدى سكان الولاية أنفسهم مليونًا ومئة وسبعين ألف نسمة.
هذا الواقع خلق ضغطًا هائلًا على النظام الصحي في معسكرات الإيواء والمدارس والمجتمعات المضيفة. ومع ذلك، لم تنهار المنظومة الصحية، بل واصلت تقديم الخدمات دون توقف، بفضل التخطيط المبكر والتدخلات السريعة التي قادها د. ساتي وطاقمه الميداني.
وفي زمنٍ اتجهت فيه معظم الولايات إلى إدارة الأزمة، اختار د. ساتي أن يصنع من الأزمة فرصة، فكانت الشمالية نموذجًا يُحتذى في كيفية التعامل مع الكوارث الصحية.
إن ما تحقق في أقل من عام يؤكد أن الإدارة حين تتوفر لها الإرادة، تُغيّر وجه التاريخ المحلي.
إن الحديث عن د. ساتي حسن ساتي ليس مجاملة، بل توثيق لمرحلة استثنائية في تاريخ الولاية الشمالية.
فقد أثبت هذا الإداري أن التنمية لا تحتاج إلى معجزات، بل إلى عقل منظم وضمير حي.
وإذا كانت الحرب قد كشفت عن هشاشة الدولة في كثير من القطاعات، فإنها أيضًا أظهرت المعادن الحقيقية للرجال الذين يصنعون الفرق.
ولذلك، فإن د. ساتي يستحق أن يُذكر كواحد من الذين كتبوا اسمهم في صفحة مضيئة من دفتر الولاية الشمالية، حين جعل من الخراب طريقًا للعمار، ومن الأزمة بداية لنهضة صحية يفاخر بها الشمال كل السودان.