ردًا على يوسف عبد المنان: البحر الأحمر لم تُضِع الفرصة.. بل أنقذت ما تبقى من الدولة

 

ردًا على يوسف عبد المنان: البحر الأحمر لم تُضِع الفرصة.. بل أنقذت ما تبقى من الدولة
بقلم : محيي الدين شجر
كتب الأستاذ يوسف عبد المنان مقالًا بعنوان “ضاعت الفرصة”، حمّل فيه ولاية البحر الأحمر ومجتمعها كامل مسؤولية عدم الاستفادة من وجود الحكومة المركزية في مدينة بورتسودان، وانتهى إلى أن الشرق أضاع فرصته، متجاهلًا أن ما حدث في بورتسودان لا يمكن فصله عن السياق الوطني الكارثي، وأن حجم التضحيات التي قدمتها هذه المدينة فاق ما قدمه غيرها.

أولًا: لم يكن ما حدث “فرصة”.. بل “كارثة وطنية”

انتقال الحكومة المركزية إلى بورتسودان لم يكن استثمارًا تنمويًا مخططًا، بل حالة طوارئ قصوى فرضتها حرب مدمرة سقطت فيها العاصمة، وانهارت مؤسسات الدولة، وتوقفت الإمدادات، والموازنات، وكل أشكال التخطيط المركزي.

فهل يُلام مجتمع محلي على عدم تحويل هذا الوضع الاستثنائي إلى نهضة عمرانية؟
وهل يُنتظر من ولاية في مثل تلك الظروف الحرجة وتعاني ضغطًا سكانيًا غير مسبوق، أن تبدأ التخطيط لمجمعات استثمارية ضخمة ومشروعات استراتيجية

ثانيًا: بورتسودان فعلت ما لم تفعله عواصم أخرى

احتضنت آلاف النازحين، وفتحت المدارس لإيوائهم، ثم أعادت فتحها لتكون أول ولاية تعاود الدراسة رغم استمرار وجود بعض النازحين في الفصول.

الخدمات الصحية صمدت رغم مضاعفة الضغط، بل جرى تطوير بعض المرافق بدعم اتحادي تم توجيهه عبر حكومة الولاية.

مطار بورتسودان شهد توسعة وتطويرًا ليواكب حركة الوفود الرئاسية والدبلوماسية.

جرى تأهيل عشرات المقرات الحكومية التي كانت مهملة لعقود.

محطة كهرباء كلاناييب تم استئناف العمل فيها بعد توقف طويل، بمتابعة من الوالي وبدعم من الشركة المنفذة (الوطنية).

تم إطلاق مشروع خزان أربعات الجديد بدعم من مؤسسة اتحادية بعد أن كان سد أربعات قد انهار العام الماضي.

آبار أربعات جرى تأهيلها بالكامل لضمان استقرار الإمداد المائي بجهود حثيثة من الوالي.

توسعة في خطوط الكهرباء الداخلية تمت لتقليل الفاقد وتحسين الخدمة في ظل ضعف الكهرباء القومية.

هذه ليست “لا شيء”، بل إنجازات في ظل ظروف تصل حدّ المستحيل.

ثالثًا: بورتسودان لا تعادي الغريب.. بل حمت ظهره

القول إن المدينة لم تستقبل الوافدين “بحفاوة” هو كلام غير موثق وغير منصف.
بل العكس، لم يُسجّل أي اعتداء على نازح، ولم تُرفع لافتات رافضة، بل عاش الناس جنبًا إلى جنب، وفي أحياء مثل المطار، ترانسيت، والإسكان، امتلك كثير من الوافدين بينهم مسؤولون حكوميون نافذون منازل، ودمجوا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

أما الحديث عن الثقافة البدوية، وكأنه شتيمة أو عيب حضاري، فهو استخفاف ببيئة شكلت العمود الفقري لقيم السودانيين:

البداوة في شرق السودان تعني الكرم، الصبر، الصلابة، والصدق.

مجتمع بورتسودان مجتمع متنوع: من الحضر والريف، من الأرياف والبوادي، من الجبال والساحل، يجمع بينهم الاحترام لا الانغلاق.

رابعًا: الجنرال شيبة ضرار.. صوتٌ لا ينافق

الإساءة إلى الجنرال شيبة ضرار في مقال يوسف عبد المنان، ووصفه بأنه “يقول ما شاء من فاحش القول”، تكشف عن انزعاج من صوت حرّ لا ينافق ولا يُجامل.

شيبة لم يدعُ إلى طرد أحد، بل حذّر من المساس باستقرار المدينة.

أدار الملفات الأمنية والإنسانية بحكمة، وكان أحد أسباب عدم تفجر الوضع في المدينة.

خامسًا: الوالي ليس نسخة من إيلا.. لكنه واقعي

القول إن الوالي الحالي يعاني من “عقدة إيلا” هو تشبيه ظالم. فإيلا عمل في زمن استقرار، وبموازنات ضخمة، أما الفريق مصطفى محمد نور  والي البحر الأحمر اليوم، فكان عليه أن يُدير ولاية مزدحمة، في ظل ظروف معقدة ونجح بامتياز في مهمته بما يشبه الإعجاز..

وهو رغم ذلك، أعاد تشغيل المشروعات المتوقفة، وفعّل الشراكات مع المركز، وركّز على الخدمات الأساسية الصحة المياه والطرق والكهرباء بدل المظاهر الشكلية.

تواصله مع المركز تم بالفعل، والدليل هو تمويل خزان أربعات الجديد، وتبني المركز لمشروع كهرباء كلاناييب.

سادسًا: التمثيل في الحكومة ليس منحة

الإشارة إلى أن “الشرق نال وزيرًا ومقعدًا في السيادة” وكأنها منحة تكفي لإغلاق باب التهميش، تبسيط مخل لمسألة معقدة.

المشاركة السياسية لا تعني توزيع المناصب فقط، بل إدارة الموارد، وتفعيل المؤسسات، وضمان حقوق المجتمعات.

ثم إن اختيار “نوارة” في مجلس السيادة، أو وزير من الشرق، لا يلغي حقيقة أن الشرق ما زال مهمشًا تنمويًا رغم ما يقدمه من موارد استراتيجية.

 

خلاصة القول:

ولاية البحر الأحمر لم تُضِع الفرصة، بل كانت الضامن الأكبر لوحدة السودان في لحظة الانهيار.
وإن كانت هناك فرصة ضائعة، فهي أن بعض الأقلام لم ترَ كل هذا الجهد، وفضّلت أن تُحمِّل أهل المدينة ما لا طاقة لهم به.