في جلسة عاصفة /القضاء السوداني يدين مسؤول منظمة إيطالية بالسجن المؤبد
القضاء السوداني يدين مسؤول منظمة إيطالية بالسجن المؤبد
بورتسودان – سودان سوا
في سابقة لافتة، أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة بورتسودان، الخميس 17 يوليو 2025م، حكماً بالسجن المؤبد لمدة 20 عاماً بحق نائب المدير القطري لمنظمة الطوارئ الطبية الإيطالية، ناصر أحمد إبراهيم، بعد إدانته بموجب المادة (51/أ) من القانون الجنائي السوداني، بتهمة مساندة قوات الدعم السريع ومعالجة جرحاهم خلال المعارك.
تفاصيل الحكم
رأس الجلسة القاضي المأمون الخواض الشيخ العقاد، الذي أصدر حكمه بالسجن اعتباراً من تاريخ القبض على المتهم في 6 أبريل 2024م، مع مصادرة هاتفه المحمول لصالح حكومة السودان، عقب إدانته بدعم إحدى أطراف النزاع المسلح.
—
منظمة إنسانية في مهب الحرب
تعود تفاصيل القضية إلى مستشفى السلام لجراحة القلب بسوبا، التابع للمنظمة الإيطالية التي كانت تقدم خدمات مجانية، والذي تم إغلاقه عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023م، بقرار من مديرة المنظمة “محمدة تريموفيتش”. وتم إجلاء معظم الطاقم الطبي عبر طيران عسكري إيطالي، بينما بقي ستة أشخاص، كان من ضمنهم المتهم، الذي عُين لاحقًا مديراً للمستشفى لحين استقرار الأوضاع.
وبحلول يوليو من نفس العام، تحوّل اختصاص المستشفى من جراحة القلب إلى علاج إصابات الحرب، بموجب اتفاق مع وزارة الصحة، يراعي القانون الدولي الإنساني، إلا أن المعلومات الاستخباراتية لاحقًا كشفت أن الغالبية الساحقة من المتلقين للعلاج هم من عناصر الدعم السريع.
—
تحقيقات أمنية ومراسلات فاضحة
تم استدعاء المتهم والمديرة الطبية للمستشفى في مناسبتين إلى مدينة ود مدني، وتم إخطارهم بوقف تقديم العلاج العسكري وإعادة المستشفى لاختصاصه السابق. وقد تم فعلياً إغلاق قسم الجراحة في نوفمبر 2023م.
لكن المتهم انتقل إلى بورتسودان في فبراير 2024م، وهناك تم توقيفه بعد ورود معلومات عن تأييده العلني لقوات الدعم السريع.
وخلال التحري، تم العثور على رسائل واتساب تضم صورة من خطاب موجه من المستشار عيسى سليمان يطلب فيه 40 ألف لتر من الوقود (200 برميل) لمستشفى القلب، مصدق من قبل ضباط استخبارات يتبعون للدعم السريع.
—
الدردشات والانحياز المكشوف
كشفت التحقيقات أيضًا محادثات بين المتهم وأقربائه ينكر فيها الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، ويتهم الاستخبارات العسكرية بفبركة الروايات، بل ذهب حد القول بأن دخول قوات الدعم السريع إلى شندي سيسهّل الوصول إلى الخرطوم.
كما وُجدت مراسلات باللغة الإنجليزية بين المتهم والمسؤولة الإيطالية في المنظمة، تُظهر تأييده ومساندته لقوات الدعم السريع، وتمت ترجمتها رسمياً من قسم الترجمة بجامعة الخرطوم.
—
النيابة والقضاء يقولان كلمتهما
بعد استكمال التحريات التي أشرفت عليها اللجنة الوطنية للتحقيق في الانتهاكات، وبتحقيقات باشرها المساعد شرطة أحمد حسن (الشهير بـ”كمبيوتر”)، وجهت النيابة للمتهم تهمًا تحت المواد (50، 51، 53، 26) من القانون الجنائي، والمادتين (24، 26، 27) من قانون جرائم المعلوماتية 2020.
وأكد الحكم القضائي أن السودان ملتزم بالمواثيق الدولية في احترام القانون الدولي الإنساني، وأن لا تهاون مع كل من يخرق السيادة الوطنية أو ينحاز لطرف مسلح على حساب الحياد والإنسانية.
—
حضور لافت في جلسة تاريخية
عُقدت الجلسة في قاعة الجنايات الكبرى ببورتسودان، بحضور هيئة الاتهام، ممثلين من النيابة، وممثل الحق العام من القوات المسلحة الرائد حقوقي الصديق حسن، إضافة إلى هيئة الدفاع، فيما مثل المتهم مخفوراً داخل قفص الاتهام.
—
الخلاصة:
قضية ناصر أحمد إبراهيم ليست مجرد ملف جنائي، بل نموذج لتحوّل العمل الإنساني إلى واجهة للتمكين العسكري. القضاء السوداني قال كلمته بوضوح: الحياد الإنساني ليس للمساومة، وأي انحياز في زمن الحرب… ثمنه المؤبد.