السودان لا يساوم على سيادته..

السودان لا يساوم على سيادته..

بقلم: محيي الدين شجر

في اللحظات التي تتعرض فيها الأوطان لاختبارات السيادة والكرامة،تتحول مواقف الحكومات إلى مقياس حقيقي لقدرتها على حماية الأرض وصون حقوق المواطنين. وفي هذا السياق، فإن الموقف الذي اتخذته الحكومة السودانية تجاه التطورات الأخيرة في علاقاتها مع إثيوبيا يستحق قراءة متأنية، تنطلق من حقيقة أساسية مفادها أن السودان دولة ذات سيادة، وأن أمنها القومي ليس مجالاً للمساومة أو التجاوز.

لقد ظلت العلاقات السودانية الإثيوبية محكومة، على مدى عقود، بروابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، وبالتداخل الاجتماعي بين الشعبين، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والأمنية التي تفرضها الحدود الطويلة بين البلدين. غير أن هذه الروابط لا يمكن أن تكون مبرراً للصمت عندما تواجه الدولة السودانية ما تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها وسلامة أراضيها.

 

إن الاتهامات التي أعلنتها الحكومة السودانية بشأن انطلاق هجمات بطائرات مسيّرة من الأراضي الإثيوبية لاستهداف مواقع داخل السودان، تمثل تطوراً بالغ الخطورة في مسار العلاقات بين البلدين. وقد لجأت الخرطوم إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، مطالبة بالتعامل مع هذه الاتهامات وفقاً للقانون الدولي.

 

فليس من المقبول أن تتحول أراضي دولة مجاورة إلى مصدر تهديد لدولة أخرى، أو أن يجد السودان نفسه أمام اعتداءات تستهدف منشآته الحيوية ومرافقه الخدمية، بينما يُطلب منه التعامل مع الأمر باعتباره خلافاً عابراً.

إن الكهرباء والمياه والمستشفيات ومرافق الخدمات ليست أهدافاً عسكرية مشروعة، واستهدافها ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، الذين أنهكتهم الحرب وأثقلت كاهلهم الأزمات المتلاحقة.

ومن هذا المنطلق، فإن موقف الحكومة السودانية يمثل دفاعاً عن حق المواطنين في الحياة والأمن والخدمات الأساسية، وليس مجرد صراع سياسي بين حكومتين.

 

إن تقديم الشكاوى إلى المؤسسات الدولية والإقليمية يمثل خطوة مهمة في إدارة الأزمة، ويعكس توجهاً نحو تدويل القضية عبر الأطر القانونية والدبلوماسية بدلاً من الانزلاق مباشرة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

 

وهذا التطور يضع المنطقة أمام منعطف حساس، ويجعل من الضروري أن تتحرك الحكومة السودانية بثبات وحكمة، وأن تستند في موقفها إلى الأدلة والوثائق والبيانات الفنية التي يمكن تقديمها إلى المجتمع الدولي.

إن قوة الموقف السوداني تكمن في امتلاك الأدلة، وتوحيد الجبهة الداخلية، وحشد المساندة الإقليمية والدولية، وتأكيد أن السودان لا يسعى إلى الحرب، لكنه لن يقبل أن تكون سيادته مستباحة.

إن الحكومة الإثيوبية مطالبة بإدراك أن استقرار السودان يمثل مصلحة استراتيجية لها، وأن أي تدخل في الشأن السوداني أو تسهيل لعمليات عسكرية تستهدف أراضيه، ، لن يؤدي إلا إلى تعقيد العلاقات بين البلدين، وفتح أبواب واسعة أمام عدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

 

إن الحكمة السياسية تقتضي من أديس أبابا أن تتعامل بجدية مع المخاوف السودانية، وأن تقدم ما يلزم من توضيحات، وأن تعمل على منع أي أنشطة عسكرية معادية للسودان انطلاقاً من أراضيها.

ففي ظل الحرب التي يعيشها السودان، لا يمكن التعامل مع التهديدات الخارجية باعتبارها شأناً حكومياً محضاً، بل هي قضية وطنية تستوجب التكاتف والتماسك.

 

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى أديس أبابا، وإلى المجتمع الدولي، واضحة: السودان لا يسعى إلى فتح جبهة حرب جديدة، ولا يريد تحويل خلافاته مع جيرانه إلى صراع إقليمي، لكنه في الوقت نفسه لن يقبل المساس بأمنه القومي أو انتهاك سيادته.

 

وإذا كانت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا قد شهدت محطات عديدة من التعاون والخلاف، فإن تجاوز الأزمة الحالية يتطلب احتراماً متبادلاً، واعترافاً واضحاً بحقوق كل دولة، والتزاماً صريحاً بعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

والحكومة السودانية، وهي تتعامل مع هذه التطورات، تستحق المساندة في كل خطوة تحفظ للسودان أمنه ووحدته وكرامته، وتضع مصالح الشعب السوداني فوق كل اعتبار.