التعليم العالي أمام اختبار حقيقي.. من يوقف رسوم جامعة ابن سينا؟

لرسالة إلى الوزير / جامعة ابن سينا.. «الكورس التأهيلي الإجباري» تحايل على رسوم التعليم العالي وإرهاق لأسر الطلاب

بقلم: محيي الدين شجر

 

ما الذي يدفع جامعة ابن سينا إلى فرض رسوم إضافية على الطلاب المقبولين بالفرقة الأولى للعام الدراسي 2026–2027، تحت مسمى «الكورس التأهيلي الإجباري»؟ وأي تأهيل يحتاجه طالب اجتاز امتحان الشهادة السودانية بنجاح، واستوفى شروط القبول التي وضعتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي؟

أسئلة مشروعة، بل واجبة، في مواجهة إجراء يبدو في ظاهره أكاديمياً، لكنه في جوهره يثير شبهة الالتفاف على القرارات الرسمية المنظمة للرسوم الجامعية، وتحميل الأسر السودانية أعباء مالية إضافية لا تحتملها ظروفها الراهنة.

فقد فرضت جامعة ابن سينا، عبر أمانة الشؤون العلمية، كورساً تأهيلياً إجبارياً على الطلاب المقبولين هذا العام، بلغت رسومه في كلية التمريض مليوناً وأربعمائة ألف جنيه سوداني، وفي كلية العلوم الإدارية مليون وخمسمائة الف جنيه وذلك بخلاف رسوم التسجيل التي تبلغ ستمائة الف جنيه بقرار وزارة التعليم العالي الاخير..

وبذلك يجد الطالب نفسه أمام فاتورة مالية باهظة منذ لحظة دخوله الجامعة، وقبل أن يبدأ دراسته الجامعية الفعلية.

مليون وخمسمائة ألف جنيه لكورس إجباري.. من أين تأتي الأسر بهذه الأموال؟

إن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه جامعة ابن سينا بوضوح هو: ما القيمة الأكاديمية الحقيقية لهذا الكورس؟ وما مبررات فرضه بصورة إجبارية؟ وهل يمثل شرطاً إضافياً للقبول، أم مجرد وسيلة لاستحداث مورد مالي جديد؟

إذا كان الطالب قد نجح في الشهادة السودانية، واجتاز متطلبات القبول، وقُبل رسمياً في الجامعة، فما الذي يجعل تأهيله أمراً إجبارياً برسوم منفصلة؟

هل أصبحت الشهادة السودانية غير كافية لإثبات أهلية الطالب للدراسة الجامعية؟ وهل باتت الجامعات تشكك في مخرجات التعليم العام، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة لابتداع رسوم إضافية تحت غطاء أكاديمي؟

إننا لا نرفض من حيث المبدأ البرامج التأهيلية التي قد تحتاجها بعض الجامعات لتحسين المستوى الأكاديمي للطلاب، ولا نعترض على حق المؤسسات التعليمية في تطوير قدرات طلابها. لكننا نرفض تحويل هذه البرامج إلى بوابة إجبارية لتحصيل الأموال، خصوصاً عندما تكون الرسوم فوق طاقة الأسر، وعندما يصبح دفعها شرطاً عملياً لاستمرار الطالب في الدراسة.

وزارة التعليم العالي راعت ظروف الحرب.. فلماذا الالتفاف على قراراتها؟

لقد جاءت توجهات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بشأن تنظيم رسوم التسجيل في الجامعات وتحديد سقفها في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، وفي مقدمتها الحرب، والنزوح، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانهيار مصادر دخل آلاف الأسر.

وكانت الغاية من تنظيم الرسوم تخفيف العبء على الطلاب وأسرهم، وضمان ألا تتحول العودة إلى مقاعد الدراسة إلى امتياز لا يستطيع الحصول عليه إلا أبناء القادرين مالياً.

لكن ما يحدث في جامعة ابن سينا يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بروح القرارات الوزارية وأهدافها.

فإذا كانت الوزارة قد وضعت رسوماً للتسجيل مراعاة لظروف الطلاب، فما جدوى تلك القرارات إذا استطاعت الجامعات إضافة رسوم جديدة تحت مسميات مختلفة؟

إن تغيير اسم الرسم لا يغير من طبيعته المالية، ولا يعفي الجامعة من الالتزام بالضوابط التي تضعها الوزارة.

لا يجوز أن يصبح «الكورس التأهيلي» ثغرة للالتفاف على القرارات الوزارية.

لقد ظلت بعض الجامعات، للأسف، تتوسع في الرسوم بصورة مرهقة، حتى أصبح التسجيل وحده عبئاً مالياً هائلاً، ثم تأتي رسوم الكليات والبرامج الإضافية لتضاعف المعاناة.

والآن، يأتي الكورس التأهيلي الإجباري ليضيف حلقة جديدة إلى مسلسل استنزاف جيوب الأسر.

هل تريد جامعة ابن سينا أن تطرد الطلاب من مقاعد الدراسة؟

إن أخطر ما في هذا القرار ليس فقط قيمته المالية، وإنما نتائجه الاجتماعية والتعليمية.

هناك طلاب اجتازوا الشهادة السودانية بعد سنوات من المعاناة، وهناك أسر بذلت كل ما تملك لتوفير رسوم التسجيل، وهناك طلاب نزحوا من مناطق الحرب، وفقدت أسرهم مصادر رزقها، ومع ذلك يتمسكون بحقهم في التعليم باعتباره نافذة الأمل الوحيدة نحو المستقبل.

فكيف نطالب هؤلاء الطلاب بالعودة إلى الجامعات، ثم نفاجئهم برسوم إضافية إجبارية قد تعجز أسرهم عن سدادها؟

إن فرض رسوم بهذا الحجم قد يؤدي عملياً إلى حرمان طلاب من مواصلة تعليمهم بسبب عجزهم عن دفع أموال إضافية.

وهنا تتحول الجامعة من مؤسسة يفترض أن تفتح أبواب المعرفة إلى مؤسسة تضع حواجز مالية أمام الطلاب.

وهذا أمر لا يمكن القبول به في بلد أنهكته الحرب، وتحتاج فيه الدولة إلى حماية حق الأجيال في التعليم، لا إلى تعقيد الوصول إليه.

رسالة مباشرة إلى وزير التعليم العالي

السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي،

إن قضية جامعة ابن سينا تستوجب تدخلاً عاجلاً وواضحاً.

نطالبكم بمراجعة ما فرضته الجامعة من رسوم تحت مسمى «الكورس التأهيلي الإجباري»، والتحقق من مدى توافقها مع القرارات الوزارية المنظمة لرسوم التسجيل والقبول.

كما نطالب بإلزام الجامعة بإلغاء هذه الرسوم إذا كانت تمثل تجاوزاً للضوابط المعتمدة، وعدم السماح بفرض أي رسوم إضافية إجبارية على الطلاب خارج الأطر القانونية والتنظيمية التي تقرها الوزارة.

وإذا كانت الجامعة ترى أن هناك حاجة أكاديمية حقيقية لهذا الكورس، فإننا نطالب بأن يكون مجانياً، أو اختيارياً، دون أن يترتب على عدم الالتحاق به حرمان الطالب من الدراسة أو تعطيل تسجيله.

كما نطالب الوزارة بتعميم ضوابط واضحة تمنع الجامعات من استحداث رسوم إجبارية تحت مسميات مختلفة، بما يضمن حماية الطلاب من أي تحايل على قرارات تنظيم الرسوم.

إن سلطة الوزارة لا ينبغي أن تتوقف عند إصدار القرارات، بل يجب أن تمتد إلى مراقبة تنفيذها ومحاسبة المؤسسات التي تتجاوزها.

التعليم ليس سلعة.. والجامعة ليست بوابة للجبايات

إننا نكتب هذه الكلمات دفاعاً عن الطلاب وأسرهم، وليس استهدافاً لجامعة بعينها.

لكن جامعة ابن سينا مطالبة اليوم بتوضيح موقفها للرأي العام، والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الطلاب وأولياء الأمور.

ما مبررات فرض الكورس التأهيلي بصورة إجبارية؟
ما الأساس الذي استندت إليه الجامعة في تحديد رسومه؟
هل تمت الموافقة على هذه الرسوم من وزارة التعليم العالي؟
وهل يجوز أن يصبح هذا الكورس شرطاً لاستمرار الطالب في الدراسة؟

إن الصمت عن هذه القضية يفتح الباب أمام جامعات أخرى لاستحداث رسوم مماثلة، بما يجعل القرارات الوزارية مجرد نصوص بلا أثر حقيقي.

نقول لجامعة ابن سينا: اتركوا هذا التحايل على الرسوم، ولا تجعلوا الكورس التأهيلي وسيلة لاستنزاف الطلاب.

ونقول لوزارة التعليم العالي: لا تتركوا الطلاب وحدهم في مواجهة هذه الأعباء. تدخّلوا قبل أن يتحول العجز عن دفع الرسوم إلى سبب في تسربهم من الجامعات.

فالسودان الذي يخوض معركة استعادة الدولة وبناء المستقبل، لا يحتاج إلى جامعات تزيد معاناة أبنائه، وإنما إلى مؤسسات تعليمية تدرك أن رسالتها الأولى هي العلم، وأن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تفرض عليها قدراً أكبر من المسؤولية الوطنية والاجتماعية.

إن حق الطالب في التعليم لا ينبغي أن يُختزل في قدرته على دفع رسوم إضافية، وإن الشهادة السودانية لا يجوز أن تصبح مجرد محطة أولى في سلسلة من الرسوم الإجبارية التي لا تنتهي.

التعليم حق، وليس امتيازاً للأغنياء.

والمطلوب الآن قرار واضح من وزير التعليم العالي: إلغاء رسوم الكورس التأهيلي الإجباري بجامعة ابن سينا، أو إلزام الجامعة بتقديمه مجاناً، حمايةً للطلاب، وصوناً لقرارات الوزارة، وانتصاراً لحق السودانيين في التعليم.