((حِكمة والله وحكاية) ) اميمة عثمان
منوعات : سودان سوا
«حِكمة والله وحكاية»اميمة عثمان
وأنا أستمع لرائعة الجابري «حِكمة والله وحكاية»
وأتوقف عند ذلك المعنى الذي يلامس شيئًا عميقًا في الروح «حد يشعر بالسعادة ويمشي يختار البعاد» وجدتني أبتعد بعيدًا إلى مساحات من التأمل سمحت لي أن أصغي إلى ما يدور في داخلي وأن أكتب ما عجزت عن قوله بالكلام. كان هذا المعنى ملهمًا لهذا النص وكأنه فتح بابًا مواربًا على أسئلة قديمة عن الرحيل والكتابة وعن تلك المسافة الغامضة بين ما نشعر به وما نختار فعله.
ولأن فوضى الوجع وتقزّم التطلعات أصابا الجميع لم تعد الكتابة ترفًا ولا الحروف مجرّد كلمات تتزاحم على بياض الورق بل صارت ملاذًا أخيرًا لما تعجز الروح عن البوح به ومسافة آمنة نرتّب فيها فوضانا قبل أن نغادر أو نكتب فيها ما لم نمتلك شجاعة قوله لمن تركناهم خلفنا.
أحيانًا يكون البعاد أول نص نكتبه بأرواحنا قبل أن تتلقّفه أقلامنا نبدأه بصمت طويل وننهيه بقرار لا يعرف أحد كم استنزفنا حتى نصل إليه فهل نكتب لأننا نريد الرحيل أم أننا نرحل حين تعجز الكتابة عن ترميم ما تصدّع في دواخلنا؟
لعلّ الحروف مثلنا تمامًا تبحث عن موضع يليق بها تتمرّد على القيود وتتمرّن في فضاء الروح دونما حواجز تقبّل شفاه الفقد وتتمايل مع ألوية الذكريات كأنها أعلام أحاسيس سادت ثم بادت نكتب لأن في داخلنا أشياء لا تحتمل البقاء حبيسة ولأن بعض الغياب لا يُحتمل إلا إذا منحناه لغة وبعض الرحيل لا نستطيع فهمه إلا حين نضعه على الورق ونحدّق فيه طويلًا.
لكن هل الظروف هي التي تجبرنا على البعاد أم أننا نتخذ من الظروف ذريعة لقرار نضج في أعماقنا منذ زمن؟ وهل يرحل الإنسان لأنه لم يعد سعيدًا أم لأنه أدرك أن السعادة لا تعني بالضرورة أن يبقى؟ ثمة من يغادر وهو ممتلئ بالحب لا بالكراهية ويختار المسافة لا لأنه لم يعد يرى الجمال بل لأنه تعب من دفع ثمنه من روحه.
ولعلّ الحكمة الأعمق في البعاد أن ليس كل من اختار الرحيل كان تعيسًا في مكانه فبعض الأرواح ترحل وهي ممتلئة بالسعادة لكنها تدرك أن السعادة وحدها لا تكفي للبقاء وأن القرب ليس دائمًا انتماء كما أن البعاد ليس دائمًا خسارة. فثمّة مسافات لا نصنعها لأننا لم نعد نحب بل لأننا أدركنا أن بعض الأشياء تظل جميلة ما دمنا لا نجبر أنفسنا على البقاء فيها وربما كانت أصعب أشكال النضج أن ترحل عن شيء ما زلت تحبّه لا لأنك كرهته بل لأنك لم تعد تجد نفسك فيه.
هنا تحديدًا تصبح الكتابة شكلًا آخر من أشكال البعاد نغادر الأشخاص ونستبقيهم في النصوص نغلق الأبواب ونترك للنوافذ حبرًا يتسرّب منه الحنين ونوهم أنفسنا بأننا تجاوزنا الحكاية بينما لا نزال نستدعي شخوصها في منتصف السطور ونمنح الغائبين مقاعد دائمة في نصوص نزعم أننا كتبناها لنشفى منهم.
وربما لا نكتب لنعود ولا نكتب لننسى بل لنفهم كيف استطاع شيء أحببناه أن يصبح بعيدًا إلى هذا الحد وكيف أمكننا أن نختار الرحيل عن مكان كان يومًا وطنًا لقلوبنا فالكتابة لا تعيد الغائب لكنها تمنح غيابه شكلًا يمكن احتماله ولا تلغي المسافة لكنها تجعلنا نرى ما وراءها.
فهل نكتب لأننا ابتعدنا أم نبتعد لأننا لم نعد نستطيع الكتابة عن الوجع ونحن نعيشه؟
وربما كان البعاد في جوهره آخر ما نكتبه عن الذين أحببناهم نص لا يحتاج إلى حروف لكنه يحتاج إلى شجاعة تكفي لنضع نقطة في نهاية الحكاية حتى لو ظلّت أرواحنا تقرؤها من جديد كلما مرّت على بياض الورق.
د. اميمه