العودة الطوعية من مصر.. بين التنوير الإعلامي وضرورة الشفافية
العودة الطوعية من مصر.. بين التنوير الإعلامي وضرورة الشفافية
بقلم: محيي الدين شجر
في التنوير الذي قدمه الأستاذ محمد وداعة، رئيس لجنة العودة الطوعية بالخرطوم، اليوم، حول عمل اللجنة، برزت ملامح تجربة وطنية تستحق التوقف عندها، ليس فقط بالنظر إلى أعداد السودانيين الذين عادوا إلى البلاد، وإنما أيضاً لطبيعة الجهود المبذولة في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها الإنسانية والاجتماعية.
وأوضح وداعة أن اللجنة، التي تأسست في 18 مارس 2026، لجنة شعبية طوعية غير حكومية، تعمل وفق لائحة تنظم نشاطها، وبما يراعي القوانين والضوابط ذات الصلة في السودان ومصر، مشيراً إلى أنها اضطلعت بمهمة مساعدة السودانيين الراغبين في العودة إلى وطنهم، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وبحسب الأرقام التي قدمها، سجل نحو 99 ألف مواطن أسماءهم للعودة، فيما تمكنت اللجنة من نقل قرابة 70 ألف سوداني من القاهرة والإسكندرية وأسوان إلى البلاد خلال ستة أشهر، عبر البصات والقطارات والطائرات، في عملية لوجستية واسعة استهدفت شرائح متعددة من المجتمع.
وشملت جهود اللجنة الطلاب في مراحل التعليم العام والجامعي، وأعضاء هيئات التدريس وأسرهم، والعاملين في بعض المؤسسات الحكومية والإعلامية، إلى جانب تخصيص ترتيبات لنقل كبار السن والمرضى، بما في ذلك أصحاب الحالات الصحية التي تتطلب عناية خاصة.
وتكتسب هذه الجهود أهميتها من كونها استجابة لحاجة إنسانية ملحة لدى آلاف الأسر السودانية التي تأثرت بالحرب، وأصبحت العودة إلى الوطن بالنسبة إليها خطوة نحو استعادة الاستقرار ولم شمل الأسرة.
من الاستجابة الطارئة إلى العودة الطوعية
وأوضح محمد وداعة أن اللجنة بدأت عملها كرد فعل على بعض الأحداث التي شهدتها مصر في فبراير، وما صاحبها من حملات اعتقال طالت، بحسب إفادته، أطفالاً ونساءً وكبار سن، الأمر الذي دفع إلى التحرك من أجل إعادتهم إلى السودان. ومع مرور الوقت، تطور عمل اللجنة ليتسع ويشمل تنظيم عودة السودانيين الراغبين في العودة إلى وطنهم.
وأشار إلى أن أول فوج تولت اللجنة نقله ضم طلاباً سودانيين متقدمين لامتحانات الشهادة السودانية، واجهوا مشكلة سقوط أسمائهم من كشوف الجلوس للامتحان،
وفي تقديري، فإن المساهمة في إعادة هؤلاء الطلاب، وتمكينهم من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية عمل كبير يستحق الإشادة في حد ذاته؛ لأن الأمر لا يتعلق بمجرد نقل طلاب من بلد إلى آخر، بل بحماية مستقبلهم التعليمي، وعدم السماح للظروف الاستثنائية بأن تحرمهم من فرصة مواصلة مسيرتهم الدراسية.
وتكشف هذه البداية عن جانب مهم من طبيعة عمل اللجنة، يتمثل في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة، ثم الانتقال إلى تنظيم عودة أوسع تشمل مختلف الفئات، وهو ما يبرز أهمية المبادرات الطوعية عندما تتكامل جهودها مع الجهات الرسمية لخدمة المواطنين وتخفيف معاناتهم.
جهود تنظيمية وتحديات ميدانية
في ما يتعلق بالجانب المالي والإداري، أوضح وداعة أن اللجنة لم تتلق أموالاً مباشرة من جهات حكومية، بينما أسهمت بعض الجهات في دعم عملها ضمن مسؤوليتها المجتمعية. وأشار إلى طرح عطاء لترحيل العائدين، تقدمت إليه 20 شركة، فازت منها أربع شركات جرى دمجها في تحالف للنقل، مع وجود إشراف مالي وإداري من الجهات المعنية ويتم التنفيذ عبر إجراءات الشراء والتعاقد
كما أكد أن معظم العاملين في اللجنة متطوعون، وأنهم يتلقون حوافز تعويضية أُقرت كتابةً من اللجنة العليا للاستقبال بالخرطوم، وفق إفادته.
وفي ما يتعلق بالمصروفات الإدارية والعمومية، قال إن هذه المصروفات المرتبطة بالتفويج والترحيل والحركة وغيرها لا تتجاوز 2% من إجمالي المصروفات، بحسب ما ذكره، مقارنةً بنسب قال إنها تتراوح بين 18% و20% في السودان.
وتطرق رئيس اللجنة إلى أوضاع العاملين، موضحاً أن معظمهم يعملون بصورة طوعية، باستثناء المحاسب. كما أشار إلى أن عدد الإعلاميين المتطوعين المسجلين لدى اللجنة يبلغ 38 إعلامياً، لافتاً إلى أن الحوافز التعويضية المخصصة لهم تمثل، بحسب قوله، 25% من إجمالي الحوافز التعويضية للعاملين في العودة الطوعية.
ولعل ما يستحق الإشارة هنا أن العمل الطوعي، خصوصاً في الظروف الاستثنائية، يحتاج إلى جهود أشخاص يضعون خدمة المواطنين في مقدمة أولوياتهم، ويتحملون أعباء التنظيم والتنسيق والمتابعة في سبيل إنجاح مهمة إنسانية بهذا الحجم.
ومن المسائل العملية التي أشار إليها وداعة المشكلات المرتبطة بحمل العائدين أمتعة بكميات كبيرة، الأمر الذي دفع اللجنة، بحسب حديثه، إلى استئجار بطاحات لنقل الأمتعة الزائدة، قبل أن تشدد الإجراءات لاحقاً للحد من هذه المشكلة.
كما تحدث عن ارتفاع أسعار الجازولين وتأثيره في عمليات الترحيل،
خدمات للعائدين وتوسيع نطاق العودة
وفي إطار الجهود الرامية إلى تحسين الخدمات المقدمة للعائدين، أعلن وداعة العمل على إنشاء مظلة في معبر أرقين، بمساعدة ديوان الزكاة، مع الترتيب لتوفير وحدة صحية ومكتب تابع للجنة العودة الطوعية، استجابةً لشكاوى وردت من مواطنين بشأن الخدمات في المعبر.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن المعبر يمثل محطة أساسية للعائدين براً، وقد يضطر بعضهم إلى الانتظار لساعات طويلة، الأمر الذي يجعل توفير الخدمات الصحية والإنسانية ضرورة لتخفيف مشقة الرحلة، خاصةً على كبار السن والمرضى والأسر التي تصطحب أطفالها.
كما تناول التنوير الصعوبات التي تواجه عودة السودانيين من ليبيا، موضحاً أن اللجنة تسعى إلى التنسيق مع الجانب المصري لتسهيل عبورهم ترانزيت عبر الأراضي المصرية، في انتظار استكمال الترتيبات اللازمة مع السلطات السودانية.
وتعكس هذه الجهود أهمية توسيع نطاق التنسيق بين الجهات المعنية، حتى يتمكن السودانيون الراغبون في العودة من الاستفادة من ترتيبات آمنة ومنظمة، تراعي ظروفهم المختلفة وتحد من المعاناة التي قد تواجههم خلال الرحلة.
العمل الوطني يحتاج إلى المساندة
إن ما تقوم به لجنة العودة الطوعية يمثل جهداً وطنياً في ظرف بالغ التعقيد، ويستحق النظر إليه بإنصاف، وتقدير ما تحقق فيه من عمل إنساني وتنظيمي. ولا يعني ذلك أن التجربة فوق التقييم، وإنما أن يكون تناولها موضوعياً، قائماً على المعلومات الموثقة، بعيداً عن الأحكام المسبقة والخلافات الشخصية.
ومن المهم كذلك أن تتواصل جهود اللجنة بالتعاون مع السفارة السودانية والجهات المختصة في البلدين، وأن تتاح المعلومات المتعلقة بعملها للرأي العام، بما يعزز الثقة ويساعد على تطوير الأداء، ويضمن وصول الخدمات إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين الراغبين في العودة.
وفي تقديري، فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى مساندة كل جهد وطني يسهم في تخفيف معاناة السودانيين، مع الاحتفاظ بحق الإعلام في الاستفسار والتوضيح، وحق القائمين على العمل في عرض الحقائق والرد على ما يثار حولهم.
فالعودة إلى الوطن ليست مجرد انتقال جغرافي، بل خطوة نحو استعادة الحياة، ولم شمل الأسر، والمشاركة في إعادة بناء السودان.
وتبقى القيمة الحقيقية لهذه الجهود في قدرتها على خدمة المواطن السوداني، وفي تكامل أدوار الدولة والمجتمع والعمل الطوعي والإعلام، بما يجعل العودة أكثر تنظيماً وأماناً وكرامة.
محيي الدين شجر