في اليوم العالمي للقضاء على الفقر.. هل تنجح الحماية الاجتماعية في كسر الدائرة؟
في اليوم العالمي للقضاء على الفقر.. هل تنجح الحماية الاجتماعية في كسر الدائرة؟
بقلم: محيي الدين شجر
في اليوم العالمي للقضاء على الفقر، الذي يوافق 17 أكتوبر من كل عام، يقف السودان أمام اختبار استثنائي يتمثل في البحث عن إجابات عملية لسؤال ملحّ: كيف يمكن تحويل الحماية الاجتماعية من برامج لتخفيف المعاناة إلى أدوات حقيقية لاستعادة سبل العيش، وبناء اقتصاد قادر على تمكين الأسر من الاعتماد على نفسها؟
جاء الاحتفال هذا العام، الذي أُقيم تحت شعار «معاً من أجل تعزيز الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي المستدام»، في وقت تتفاقم فيه التحديات المعيشية بفعل الحرب وتداعياتها على الاقتصاد ومصادر الدخل والخدمات الأساسية، فضلاً عن النزوح الواسع وفقدان الوظائف وتراجع الأنشطة الإنتاجية. وهي ظروف جعلت قطاعات واسعة من المواطنين ترزح تحت وطأة الفقر، ودفعت أسرًا كانت تعتمد على موارد محدودة إلى دائرة العوز والاحتياج.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، خلال الاحتفال الذي أُقيم بفندق السلام روتانا، أهمية خاصة، لا سيما تأكيده أن أولوية المرحلة المقبلة تتمثل في تحويل الحماية الاجتماعية إلى أداة فاعلة للحد من الفقر ومنع انتقاله بين الأجيال.
22 ألف مشروع صغير.. خطوة في الاتجاه الصحيح
يمثل الإعلان عن شراكة بين مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر، وديوان الزكاة، وبنك الادخار والتنمية الاجتماعية، تستهدف توفير 22 ألف مشروع صغير ومتناهي الصغر في 11 ولاية، خطوة تستحق الاهتمام، بالنظر إلى ما يمكن أن تحققه المشروعات الإنتاجية من فرص عمل ومصادر دخل مستدامة للأسر المستهدفة.
لكن أهمية هذه المبادرة لا تتوقف عند عدد المشروعات المزمع توفيرها، وإنما تتصل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة المستفيدين.
فالمشروع الصغير لا يقتصر على توفير التمويل، بل يحتاج إلى التدريب والإرشاد، وتوفير مدخلات الإنتاج، وربط المستفيدين بالأسواق، حتى لا تتحول المبادرة إلى دعم مؤقت ينتهي أثره بانتهاء التمويل.
ومن هنا، فإن نجاح المبادرة يتطلب وضع معايير واضحة لاختيار المستفيدين، مع إعطاء الأولوية للأسر التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب، والأسر التي تعولها النساء، والشباب العاطلين عن العمل، والفئات الأكثر هشاشة.
كما ينبغي أن تراعي المشروعات طبيعة النشاط الاقتصادي في كل ولاية، حتى لا تتحول إلى أنشطة متشابهة تتنافس في أسواق محدودة، أو إلى مشروعات تتعثر بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القوة الشرائية.
والأهم من ذلك أن تقترن المبادرة بآليات للمتابعة والتقييم، تقيس عدد المشروعات التي دخلت مرحلة الإنتاج بالفعل، وعدد فرص العمل التي وفرتها، وحجم الدخل الذي حققته للأسر، ومدى قدرتها على الاستمرار بعد انتهاء الدعم الأولي.
فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد المشروعات التي أُعلن عنها، بل عدد الأسر التي استطاعت الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى الإنتاج وتحقيق دخل منتظم.
أرقام الدعم.. ماذا تقول عن حجم التحدي؟
تعكس الأرقام التي أعلنها وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية خلال الاحتفال حجم التدخلات الاجتماعية القائمة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن اتساع الاحتياجات التي تواجهها الدولة في ظل الظروف الراهنة.
فبحسب الوزير، تجاوزت تدخلات ديوان الزكاة 239 مليار جنيه حتى نهاية أغسطس الماضي، واستفاد منها نحو 2.9 مليون مواطن، وشملت الدعم المباشر والعلاج والمشروعات الإنتاجية والعودة الطوعية.
كما قدمت مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر دعماً نقدياً لنحو 326 ألف مستفيد في 12 ولاية، بتكلفة تجاوزت 48 مليار جنيه.
وفي الجانب الصحي، بلغت تغطية الصندوق القومي للتأمين الصحي، وفقاً للتصريحات، 36.2 مليون مشترك، بنسبة 86.2% من السكان، مع استمرار الجهود الرامية إلى استعادة الخدمات الصحية المتضررة جراء الحرب.
هذه الأرقام، على أهميتها، تطرح أسئلة تتعلق بمدى وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، وكفاءة توزيع الموارد، واستمرارية الخدمات، ومدى قدرة التدخلات المختلفة على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.
كما أن اتساع التغطية التأمينية لا يعني بالضرورة توافر الخدمات الصحية بالقدر الكافي في كل المناطق، خاصة المناطق التي تضررت مؤسساتها الصحية أو استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين.
لذلك، فإن المطلوب ليس التقليل من أهمية هذه التدخلات، وإنما تطويرها وربطها بسياسات اقتصادية واجتماعية تضمن استدامة أثرها، وتساعد على تحويل الدعم من استجابة للاحتياجات العاجلة إلى وسيلة لبناء القدرة على مواجهة الأزمات.
الحرب جعلت مكافحة الفقر معركة لاستعادة الحياة
لا يمكن النظر إلى الفقر في السودان باعتباره مشكلة مالية منفصلة عن بقية الأزمات، لأن الحرب لم تؤثر في دخول المواطنين وحدها، بل امتدت آثارها إلى فرص العمل والأسواق والزراعة والتجارة والتعليم والصحة وشبكات الأمان الأسري والمجتمعي.
فقدان مصدر الدخل قد يدفع الأسرة إلى إخراج أبنائها من المدارس، أو تأجيل العلاج، أو بيع الأصول التي تعتمد عليها في كسب عيشها. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الخيارات الاضطرارية إلى أسباب إضافية لاستمرار الفقر وانتقاله من جيل إلى آخر.
وهنا تبرز أهمية ما أشار إليه الوزير بشأن ضرورة الانتقال من المساعدات إلى التمكين الاقتصادي، ومن الاستجابة المؤقتة إلى بناء منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية.
غير أن هذا الانتقال يحتاج إلى رؤية تتجاوز تقديم التمويل للمشروعات الصغيرة، لتشمل إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، ودعم صغار المنتجين، وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية.
فالأسرة التي تحصل على مشروع إنتاجي، لكنها تعيش في منطقة تفتقر إلى الكهرباء أو المياه أو الطرق أو الأسواق، قد تجد نفسها أمام تحديات تعوق نجاح المشروع.
والمزارع الذي يحصل على تمويل دون أن تتوافر له مدخلات الإنتاج أو وسائل التسويق، قد لا يتمكن من تحقيق العائد المتوقع.
والشاب الذي يتلقى تدريباً مهنياً دون وجود فرص حقيقية لاستخدام مهاراته، سيظل يواجه صعوبة في الانتقال إلى سوق العمل.
لذلك، فإن مكافحة الفقر في السودان تستدعي تنسيقاً فعلياً بين مؤسسات الرعاية الاجتماعية والجهات المعنية بالاقتصاد والإنتاج والتمويل والتدريب، بحيث تعمل جميعها ضمن أهداف واضحة ومتكاملة.
الحماية الاجتماعية.. استثمار في الإنسان لا مجرد إعانة
من الأخطاء الشائعة التعامل مع الحماية الاجتماعية باعتبارها مجرد مساعدات تقدمها الدولة للفئات المحتاجة، بينما هي في جوهرها استثمار في الإنسان وحماية لقدراته على المشاركة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
فالمواطن الذي يحصل على العلاج يستطيع مواصلة العمل، والطفل الذي يواصل تعليمه يمتلك فرصاً أفضل للخروج من دائرة الفقر، والأسرة التي تحصل على مصدر دخل مستقر تصبح أقل اعتماداً على المساعدات وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تتكامل برامج الزكاة والدعم النقدي والتأمين الصحي والتمويل الأصغر والتدريب المهني، ضمن منظومة وطنية تراعي اختلاف احتياجات الأسر والمناطق.
كما أن بناء قاعدة بيانات دقيقة للمستفيدين يمثل ضرورة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وتقليل الازدواجية في تقديم المساعدات، وتوجيه الموارد المحدودة إلى الأولويات الأكثر إلحاحاً.
ويظل التنسيق بين المؤسسات الحكومية والجهات التمويلية والمنظمات الإنسانية والمجتمع المدني عاملاً مهماً في تعزيز فاعلية هذه البرامج، خاصة في ظل اتساع الاحتياجات وتراجع الموارد المتاحة.
لكن الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن السياسات الاقتصادية المنتجة، كما لا يجوز أن تصبح المشروعات الصغيرة مبرراً للتراجع عن مسؤولية الدولة في توفير الخدمات الأساسية وتهيئة البيئة المناسبة للعمل والإنتاج.
فالحماية الاجتماعية الفاعلة هي التي توفر شبكة أمان للفئات الأكثر هشاشة، وفي الوقت نفسه تفتح أمامها فرص الانتقال إلى الإنتاج والاستقلال الاقتصادي، دون أن تتركها وحدها في مواجهة أعباء المعيشة.
من إعلان المبادرات إلى قياس النتائج
إن الإعلان عن توفير 22 ألف مشروع صغير يمثل فرصة لاختبار قدرة مؤسسات الحماية الاجتماعية في السودان على الانتقال من التدخلات التقليدية إلى برامج التمكين المستدام.
ولتحقيق ذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى نشر تفاصيل تنفيذ المبادرة، بما يشمل الولايات المستهدفة، ومعايير اختيار المستفيدين، وأنواع المشروعات، وحجم التمويل المخصص لكل مشروع، والجدول الزمني للتنفيذ.
كما أن نشر تقارير دورية عن معدلات التنفيذ والنتائج المحققة سيعزز الثقة في المبادرة، ويتيح للرأي العام متابعة مدى التقدم في تحقيق أهدافها.
ولا يقل عن ذلك أهمية وضع آليات لتقييم المشروعات بعد تشغيلها، لأن بعض المشروعات قد تتعثر لأسباب تتعلق بالسوق أو التمويل أو ضعف الخبرة، وهو ما يتطلب تدخلاً مبكراً لمعالجة المشكلات قبل أن تتحول إلى خسائر جديدة للأسر المستفيدة.
كذلك، فإن التمكين الاقتصادي ينبغي ألا يقتصر على التمويل، بل يجب أن يفتح المجال أمام الشراكات مع القطاع الخاص والجمعيات التعاونية والمؤسسات المصرفية، بما يساعد على توفير التمويل والتدريب والتسويق في إطار متكامل.
ومن المهم أيضاً أن تشمل عملية التقييم قياس مدى تحسن دخل الأسر المستفيدة، وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، واستمرار مشروعاتها في مواجهة تقلبات السوق وارتفاع تكاليف الإنتاج.
فمثل هذه المؤشرات هي التي ستكشف ما إذا كانت المبادرة قد حققت هدفها في تحسين حياة المواطنين، أم أنها لا تزال في مرحلة تقديم الدعم دون ضمان استدامة نتائجه.
الخلاصة: الفقر لا يُهزم بالمساعدات وحدها
في اليوم العالمي للقضاء على الفقر، يحتاج السودان إلى التعامل مع الحماية الاجتماعية باعتبارها جزءاً من مشروع وطني لاستعادة الإنتاج وبناء القدرة على الصمود، وليس مجرد استجابة للظروف الطارئة.
وتوفر الشراكة المعلنة لإنشاء 22 ألف مشروع صغير فرصة مهمة لتحويل هذا التوجه إلى واقع ملموس، شريطة أن تقوم على التخطيط السليم والشفافية والمتابعة، وربط التمويل بالأسواق والقدرات الإنتاجية.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تقديم المساعدات للمحتاجين فحسب، بل في تهيئة الظروف التي تجعلهم أقل احتياجاً إليها في المستقبل.
فمكافحة الفقر تبدأ بحماية الإنسان من السقوط، لكنها لا تكتمل إلا بتمكينه من النهوض والعمل والإنتاج، وضمان حصوله على التعليم والعلاج والفرص التي تحفظ كرامته.
وعليه، فإن نجاح وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية ومفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر لن يُقاس بحجم الأموال التي أُنفقت أو عدد المبادرات التي أُطلقت، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تغيير مستدام في حياة الأسر السودانية، وتحويل الحماية الاجتماعية من وسيلة لتخفيف آثار الفقر إلى جسر يقود نحو الاستقلال الاقتصادي.
فالقضاء على الفقر لا يبدأ بتقديم المساعدات فحسب، بل ببناء الظروف التي تتيح للمواطن العمل والإنتاج والعيش بكرامة.