ذهبوا بحثاً عن الذهب.. فذهبت أرواحهم هدراً» اميمة عثمان
مأساة معدّني جنوب الوادي.. حين يصبح الفقر طريقاً إلى الموت
بقلم : اميمة عثمان
المكان أقصى قاع الفقر في زاوية من زوايا الحرمان خلف أضواء الحروب حيث تتوارى الحياة خجلا من قسوتها وتنام الأحلام جائعة على أرصفة الانتظار
والزمان عقربان سامان ينهشان ما تبقى من أعمار العابرين يأكلان ما يسد جوع هذه المدينة ثم يلفظان قبل نوبة التجشؤ المقيتة ضحابا آخرين بلا هوية بلا بداية واضحة ولا نهاية معلومة وبلا فرصة واحدة للشبع
كل ذنبهم أنهم أبناء الزمان والمكان وأبناء معاناة دفعتهم إلى المجهول وألقت بهم في دروب البحث عن الرزق حتى صار باطن الأرض بما يخفيه من ذهب أملا أخيرا لأجساد أنهكها الجوع وأرواح لم تعرف من الحياة سوى مشقة البقاء
ذهبوا يبحثون عن لقمة تسند أعمارهم وعن غد أقل قسوة من يومهم فصار الطريق إلى الرزق طريقا محفوفا بالموت وصارت الأرض التي تمنح الذهب قادرة على أن تسترد أرواح الباحثين عنه
ثم جاءت الفاجعة في جنوب الوادي حادثة موجعة قيل إنها وقعت إثر استهدافهم بالطائرات فارتقى مئات من أبناء الفقر والمعاناة تاركين خلفهم أسئلة أكبر من الصمت ووجعا أكبر من قدرة الكلمات على الاحتمال
رحلوا وبقيت الحقيقة معلقة في فضاء مثقل بالغموض وبقيت أرواح الضحايا تستحق جوابا وأسرا تنتظر أن تعرف كيف تحولت رحلة البحث عن لقمة العيش إلى مأساة بهذا الحجم
أي ذنب اقترفوه
أكان جرمهم أنهم فقراء
أم أنهم ولدوا في مكان لا يلتفت إليه أحد إلا حين تحصى ضحاياه
مئات الأرواح لا ينبغي أن تتحول إلى رقم عابر في نشرة أخبار ولا إلى خبر قصير يطويه النسيان مع انطفاء الشاشات فخلف كل روح حكاية وخلف كل حكاية أم أرهقها الانتظار وأب انكسر صوته وطفل لن يجد من يعود به إلى البيت وبيت سيظل بابه مفتوحا على غياب لا يحتمل
إن المأساة ليست في الموت وحده بل في أن يصبح الفقير معرضا للموت وهو يبحث عن حقه في الحياة وأن يضطر الطفل إلى أن يكبر قبل أوانه وأن يتعلم معنى الخطر قبل أن يتعلم معنى الأمان وأن يحمل هم الرغيف بينما يحمل غيره أحلام الطفولة
أطفال يسرقون ابتساماتنا المزيفة ويشبعون رغباتنا العابرة في البكاء أو الشفقة المؤقتة نرثيهم حين تظهر صورهم ثم نمضي إلى حياتنا كأن شيئا لم يحدث
تستحي منهم أعمدة الإنارة فيضيئون بوجوههم الشاحبة عورات ضمائرنا ويبتسمون لصور اللافتات الإعلانية الشاهقة كأنهم يسألونها كيف اتسعت هذه المدينة لكل هذا البذخ وضاقت بنا إلى هذا الحد
على رصيف الوعي تسقط الذاكرة حين يغتسل هؤلاء الصغار من ندى الصخور وحين يحرثون ساعات يومهم بحثا عن قوت يسند أجسادهم وعن حياة لا يضطرون فيها إلى مقايضة أعمارهم بالخطر
هناك بين غبار الطرقات ووجوه العابرين تتعرى إنسانيتنا من زينتها وتنكشف المسافة الهائلة بين ما نقوله عن الرحمة وما نفعله من أجلها
نحن لا نحتاج إلى دمعة أخرى أمام صورة طفل حزين بقدر ما نحتاج إلى ضمير لا ينام وإلى عدالة لا تتأخر وإلى حقيقة لا تدفن تحت ركام الصمت
نحتاج إلى أن نرى في هؤلاء بشرا لهم حق الحياة والكرامة والأمان لا مجرد مشاهد عابرة توقظ عواطفنا لدقائق ثم تتركهم وحدهم في مواجهة المصير
غربت الشمس وغاب القمر
وساد المكان صمت ثقيل كأن السماء نفسها تعجز عن تفسير ما حدث
في تلك الليلة لم يكن الظلام غيابا للضوء فحسب بل كان غيابا لوجوه اعتادت أن تعود آخر النهار ولأحلام صغيرة لم تجد الوقت الكافي كي تكبر
وكانت الأرض التي خرجوا إليها بحثا عن الذهب أكثر ثراء بما ابتلعته من أرواح وأكثر فقرا بما فقدته من إنسانية
ترى كم رقعة أخرى ستحتاجها المدينة في الصباح الجديد
وكم حكاية طفل ستكتب بالوجع قبل أن نتعلم كيف نحمي أصحابها
وكم جنازة يجب أن تمر أمام أعيننا حتى ندرك أن الفقر ليس تهمة وأن البحث عن الرزق ليس جريمة وأن أرواح الفقراء ليست أقل قيمة من أن تصان
هذه ليست حكاية غدر واحد إنها حكاية وطن يختبر ضميره وحكاية أمهات ينتظرن عودة الغائبين وحكاية أرواح تستحق الحقيقة والعدالة لا النسيان
وفي الصباح حين تشرق الشمس من جديد ستضيء الشوارع والواجهات واللافتات وستستيقظ المدينة على ضجيجها المعتاد لكن هناك بيوتا لن تستيقظ كما كانت وأبوابا ستظل تنتظر طرقات لن تأتي وارواحا لن يعودوا ليحكوا كيف كان يومهم
أما الأرض فستبقى هناك تخفي في جوفها أسرارها وذهبها وتنتظر أن يسأل أحد السؤال الذي طال صمته
من يعيد إلى الفقراء حقهم في الحياة ومن يعيد إلى الأمهات أبناءهن الذين ابتلعتهم المأساة