ما وراء أبواب ديوان الزكاة.. تجربة الحرب وأسئلة الشفافية

ديوان الزكاة بعد الحرب.. من لملمة الأطراف إلى شراكة جديدة مع الإعلام

بقلم: محيي الدين شجر

حضرت اليوم لقاء الإعلاميين والدراميين بالأمين العام لديوان الزكاة، الأستاذ يحيى أحمد عبد الله القمراوي، الذي جاء بمبادرة من الأستاذة مشاعر عثمان، رئيسة صحيفة «آخر النهار»، والزميلة الأستاذة داليا إلياس، التي تقود منتدى «انْدياح» بقاعة السلام روتانا، تحت شعار: «الإعلام والدراما شركاء في صناعة الوعي وتوثيق العطاء».

كان اللقاء سانحة طيبة للتداول حول أداء ديوان الزكاة خلال الفترة الماضية، والوقوف على طبيعة عمله في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، إلى جانب الاستماع إلى رؤى الإعلاميين والدراميين ومقترحاتهم بشأن تطوير الأداء وتعزيز التواصل مع المجتمع.

وقد استمع الأمين العام إلى عدد من المداخلات والمقترحات التي تناولت جوانب مختلفة من عمل الديوان، وسبل تطوير رسالته الإعلامية، والاستفادة من الوسائط الحديثة في التعريف بمشروعاته ومصارف الزكاة، وتوثيق ما يقدمه للفئات المستحقة، بما يعزز الثقة بين المؤسسة والمجتمع. كما أشار إلى التزام الديوان بتنظيم جلسة أخرى للاستماع إلى مزيد من المقترحات والأفكار التي تسهم في تطوير العمل وتحسين الأداء.

من جانبه، أكد الدكتور معاوية عبيد، نائب الأمين العام للدعوة والإعلام، أن اللقاء يمثل تجديداً للشراكة مع الإعلام، مشيراً إلى أن الديوان يتطلع إلى الوصول إلى الإعلاميين وتعزيز التعاون معهم، وأن أبوابه مفتوحة أمامهم.

### تجربة الديوان في مواجهة الحرب

في تقديري، فإن أهمية هذا اللقاء تتجاوز مجرد التواصل بين مؤسسة دينية والإعلام؛ فهو يفتح الباب أمام مراجعة تجربة ديوان الزكاة منذ تأسيسه، والوقوف على أدائه الباهر خلال سنوات الحرب، رغم فقدانه عدداً كبيراً من دافعي الزكاة في ولايات دارفور التي تسيطر عليها المليشيا، وقبلها أجزاء من ولاية الجزيرة ومناطق من كردفان،

وقد اهتم الديوان بالنازحين وجرحى العمليات، وسارع إلى تعديل موازنته لتصبح موازنة طوارئ تستجيب لاحتياجات الناس في زمن الحرب، بما في ذلك العلاج والإيواء ودعم الفقراء الذين اتسعت دائرتهم بفعل النزاع وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية.

لقد ذكرت سابقاً أن ديوان الزكاة نجح في لملمة أطرافه بعد اندلاع الحرب، واستعادة قدر كبير من تماسكه المؤسسي، رغم التحديات التي واجهته وفقدانه مصادر مهمة من موارده. كما اضطلع بدور بارز في إسناد المجتمع، في ظل اتساع دائرة العوز وتزايد الضغوط المعيشية، وأسهمت تدخلاته في دعم جهود تثبيت أركان الدولة ومساندة المتأثرين بالحرب.

وهذه التجربة تستحق التوثيق والتقييم المهني، لا من باب الإشادة وحدها، وإنما من أجل استخلاص الدروس، وتحديد جوانب القوة والقصور، ومعرفة مدى وصول المساعدات إلى مستحقيها، ومدى قدرة الديوان على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها الحرب.

وقد لفت انتباهي بصورة خاصة تفاعل الأستاذ يحيى أحمد عبد الله القمراوي مع ما طرحه الزملاء من أفكار وملاحظات. فالمؤسسات التي تسعى إلى التطوير لا تكتفي بعرض إنجازاتها، وإنما تتيح المجال للنقد والمساءلة والاستماع إلى الرأي الآخر، وتعمل على تحويل المقترحات الجادة إلى برامج قابلة للتنفيذ.

وديوان الزكاة، بالنظر إلى اتساع نطاق عمله وارتباطه المباشر بمعاش الناس، يحتاج اليوم إلى تطوير أدواته، وتحديث رسالته الإعلامية، والاستفادة من التحولات الكبيرة في الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي. فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار والأنشطة، بل أصبح أداة للتعريف بالحقوق والواجبات، وشرح السياسات، وتوسيع دائرة الوعي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، بما يساعد الديوان على كسب ثقة الناس.

ومن هنا، فإن الشراكة المطلوبة بين الديوان والإعلام ينبغي ألا تقتصر على تغطية المناسبات والفعاليات، بل تمتد إلى إنتاج مواد توعوية تشرح مصارف الزكاة الشرعية، وتوضح آليات جمعها وتوزيعها، وتعرّف الجمهور بالمشروعات الموجهة للفقراء والمساكين، وتتيح في الوقت نفسه مساحة لطرح الأسئلة المهمة حول كفاءة الإنفاق وعدالة التوزيع والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

فالزكاة ليست مجرد أموال تُجمع وتُوزع، وإنما منظومة تكافل اجتماعي تستمد مشروعيتها من وصول الحق إلى مستحقيه. وكلما ارتفعت كفاءة هذه المنظومة، وتعززت الثقة في إدارتها، زادت قدرتها على أداء دورها في تخفيف الفقر والحد من آثاره.

وفي هذا السياق، وجهت سؤالاً إلى الأمين العام بشأن ما إذا كان الديوان يتأثر بالتجاذبات السياسية في أداء عمله، أو يتجاوز المصارف الشرعية للزكاة. وقد نفى ذلك، مؤكداً أن عمل الديوان يستند إلى رؤية دينية، وأن إدارته لا تسمح بتمرير أجندات سياسية عبر عمل الزكاة.

وتمثل هذه الإفادة مدخلاً مهماً لتأكيد ضرورة المحافظة على استقلالية العمل الزكوي عن التجاذبات السياسية، والالتزام بالمصارف الشرعية، مع تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات التي تساعد المجتمع على متابعة الأداء وتقييمه. فالثقة تتعزز بالممارسة المؤسسية الواضحة، وتوفير المعلومات، والقدرة على الإجابة عن تساؤلات الرأي العام.

كما أعجبني تواضع الأستاذ يحيى القمراوي في إدارة الحوار وتفاعله مع المداخلات، وهو رجل أمضى سنوات طويلة في العمل داخل الديوان حتى تبوأ منصب الأمين العام. ومثل هذه الخبرة، إذا اقترنت بالانفتاح على الأفكار الجديدة والاستعداد للمراجعة والتطوير، يمكن أن تشكل رصيداً مهماً لدفع المؤسسة إلى الأمام.

ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل مخرجات هذا اللقاء إلى خطوات عملية، ووضع آليات واضحة للتواصل المستمر مع الإعلاميين، والاستفادة من مقترحاتهم في تطوير الأداء وتجويد الخدمات، بما يجعل الشراكة واقعاً ملموساً لا مجرد شعار.

إن ديوان الزكاة يقف أمام فرصة مهمة للانتقال من مرحلة الاستجابة لضرورات الحرب إلى مرحلة تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز دوره في مواجهة الفقر، وترسيخ مبادئ الشفافية، وتوسيع الشراكة مع المجتمع.

وقد يكون هذا اللقاء بداية جيدة في هذا الاتجاه، شريطة أن تتواصل جلسات الحوار، وأن تجد المقترحات طريقها إلى التنفيذ، وأن تقوم الشراكة مع الإعلام على تبادل المعلومات، والاستماع إلى النقد المهني، والعمل المشترك من أجل خدمة المواطن.

فالإعلام حين يؤدي دوره بمهنية، والديوان حين يفتح أبوابه للمساءلة والتطوير، يمكن أن يلتقيا عند هدف واحد: إيصال الدعم إلى مستحقيه، وتعزيز الثقة في مؤسسات التكافل، وجعل الزكاة أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات السودانيين في زمن الحرب وما بعدها.