الحوار السوداني.. هل ينهي الأزمة أم يفتح الباب لصراع جديد؟ محيي الدين شجر
الحوار السوداني.. هل ينهي الأزمة أم يفتح الباب لصراع جديد؟ محيي الدين شجر
في لقاء جمعني بالأستاذ عثمان ميرغني، الناطق الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار، وبمشاركة الزميل الأستاذ جعفر باعو والأستاذ عبد الله عثمان، تحادثنا حول الحوار السوداني المرتقب، وفرص نجاحه في ظل التجاذبات السياسية والمواقف المتباينة حوله.
كان السؤال الأساسي الذي ظل حاضراً في النقاش: هل يكفي أن يجلس السودانيون إلى طاولة واحدة حتى تنتهي الأزمة؟
في تقديري، الإجابة هي: لا.
فالجلوس إلى طاولة الحوار يمثل بداية الطريق، وليس نهايته. وقد ينعقد الحوار وينفض المشاركون من حول الطاولة، بينما تظل جذور الأزمة قائمة، بل ربما يعود الصراع بصورة أكثر حدة إذا لم تصاحبه إرادة حقيقية للاتفاق وتنفيذ ما يتم التوصل إليه.
ومن هنا، فإن مهمة لجنة تهيئة الحوار لا ينبغي أن تنتهي بمجرد تهيئة الظروف لانعقاده. فالأطراف التي ستستجيب للحوار تحتاج إلى ضمانات حقيقية تطمئنها إلى أن الحوار لن يكون مجرد مناسبة سياسية عابرة، أو مدخلاً لإعادة إنتاج الصراع بصور جديدة.
ولذلك، ربما يكون من المهم التفكير في انتقال اللجنة، بعد اكتمال مرحلة التهيئة، إلى دور أوسع يساهم في إنجاح الحوار ومتابعة مخرجاته وضمان تنفيذ ما يتفق عليه السودانيون، أو أن تُنشأ آلية وطنية مستقلة تؤدي هذه المهمة.
الأستاذ عثمان ميرغني، الذي يبذل جهداً مقدراً في إطار عمل اللجنة، تحدث عن تطورات إيجابية في مسار التهيئة، وأكد أن الحوار إذا لم يكن شاملاً فلن يقود إلى نتيجة حقيقية.
وشدد على أن الحوار ليس حواراً خاصاً بالجيش أو بالرئيس عبد الفتاح البرهان، موضحاً أن القوات المسلحة لا علاقة لها بعمل اللجنة، وأن الرئيس البرهان لم يتدخل في عملها ولم يوجّهها، بحسب إفادته.
كما أوضح أن مقر اللجنة تم العثور عليه بالصدفة، وأن مالك العقار كان خارج السودان، وعندما جرى التواصل معه أبدى استعداده لتمكين اللجنة من استخدامه مجاناً، وهو ما حدث لمدة شهرين، قبل أن يتم الاتفاق معه لاحقاً على أجر وصفه بالزهيد.
وأكد ميرغني أن اللجنة تعمل باستقلالية وتقف على مسافة واحدة من مختلف الفرقاء السودانيين، وأن أعضاءها، وفق وصفه، ينطلقون من قناعة وطنية هدفها تهيئة الفرقاء للحوار.
لكن نجاح الحوار لن يتوقف على اللجنة وحدها.
فالسودان اليوم ليس هو السودان الذي كان قبل الحرب. هناك ملايين النازحين واللاجئين، وشباب وجدوا أنفسهم في قلب الحرب، ونساء فقدن أبناءهن وأزواجهن ومصادر رزقهن، ومجتمعات كاملة تعرضت للتهجير والدمار.
هؤلاء يجب ألا يكونوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل أطرافاً حقيقية في صناعة مستقبل السودان.
ومن المهم أن يجد النازحون واللاجئون والشباب والنساء، إلى جانب القوى السياسية والمجتمعية والمهنية والأهلية، مكاناً حقيقياً في الحوار المرتقب، حتى لا يتحول إلى تفاوض بين النخب بعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين.
وخلال اللقاء، قلت للأستاذ عثمان ميرغني إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الحوار إلى وسيلة جديدة لاقتسام السلطة والمناصب.
فإذا كان الهدف هو إعادة توزيع الكراسي، فإن الحوار قد يتحول من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى سبب جديد لإشعالها.
وهنا تبرز قضية حركات دارفور والحركات المسلحة بصورة خاصة، إذ يجب التعامل معها باعتبارها طرفاً له مخاوف ومطالب ومكتسبات، وفي مقدمتها ما ترتب على اتفاق جوبا للسلام. ولا ينبغي أن يُنظر إلى الحوار باعتباره خصماً على تلك المكتسبات، بل فرصة لمعالجة ما تبقى من قضايا السلام وإدماجها في مشروع وطني أوسع.
السودان لا يحتاج إلى حوار من أجل الحوار.
ولا يحتاج إلى مؤتمر جديد تضاف مخرجاته إلى عشرات الاتفاقيات والمواثيق التي امتلأت بها الذاكرة السودانية دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
السودان يحتاج إلى حوار ينتج اتفاقاً قابلاً للحياة والتنفيذ، ويضع حداً لدائرة الحرب والانقلابات والتسويات المؤقتة.
ولعل الخطوة الأولى نحو ذلك أن يقتنع السودانيون، من صميم قلوبهم، بأن الحوار السوداني ـ السوداني هو الطريق الأكثر أماناً للخروج من الأزمة، وأن الحل لن يأتي من الخارج مهما تعددت المبادرات والوسطاء.
لكن هذه القناعة تحتاج إلى شرط أساسي: التجرد ونكران الذات.
فلا يمكن أن ينجح حوار يبحث فيه كل طرف عن نصيبه من السلطة قبل أن يبحث عن نصيب الوطن من السلام.
ولا يمكن أن تنجح تسوية إذا دخلها البعض بعقلية المنتصر والمهزوم، أو بمنطق أن ما كسبه طرف بالقوة لا يمكن أن يناقشه الآخرون.
الحوار الحقيقي هو الذي يجلس فيه الجميع وهم يدركون أن السودان أكبر من الأحزاب والحركات والجيوش والأفراد، وأن السلطة التي لا تستند إلى توافق وطني لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار.
السؤال إذن ليس: هل سيجلس السودانيون إلى طاولة الحوار؟
بل السؤال الأهم:
ماذا سيفعلون بعد أن يجلسوا؟
فنجاح الحوار لا يقاس بانعقاد جلساته، وإنما بقدرته على إنهاء الحرب، ومعالجة جذورها، وبناء دولة يشعر فيها السودانيون جميعاً بأنهم شركاء فيها، لا مجرد متنافسين على مواقعها.
وفي النهاية، قد يكون الحوار هو السبيل الوحيد المتبقي أمام السودان، لكن بشرط أن يكون حواراً من أجل السودان، لا حواراً من أجل السلطة.