الشباب .. لا حوار سوداني–سوداني من دونهم / بقلم: محيي الدين شجر
الشباب .. لا حوار سوداني–سوداني من دونهم
بقلم: محيي الدين شجر
جاءت ورشة «الشباب ودورهم في الحوار السوداني–السوداني» التي نظمها مركز دراسات وأبحاث القرن الإفريقي في توقيت بالغ الأهمية، بالتزامن مع انطلاقة الفعاليات الأولية للحوار السوداني–السوداني داخل البلاد.
أهمية الورشة تكمن في السؤال الذي تطرحه في وجه القوى السياسية والمجتمعية: هل سيكون الشباب السوداني هذه المرة جزءاً حقيقياً من صناعة الحوار، أم سيظل مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة ثم يُستبعد عند زوال الحاجة ليظل في الرصيف ؟
هذا السؤال يستحق إجابة صريحة.
فالشباب كانوا في قلب التحولات الكبرى التي شهدها السودان خلال السنوات الماضية، وكانوا من أبرز القوى التي صنعت الحراك والثورات، كما دفعوا أثماناً باهظة في الحروب والنزاعات، وشاركوا في العمل الإنساني والمجتمعي، ووقفوا في الصفوف الأولى عندما احتاج الوطن إلى من يحمل أعباءه.
ومع ذلك، ظل الشباب في كثير من مراحل السودان السياسية بعيدين عن طاولات التفاوض وصناعة القرار.
وحتى عندما جرى إشراكهم في بعض عمليات الحوار والسلام، لم تكن المشاركة دائماً تعكس الوزن الحقيقي للشباب، إذ غالباً ما جرى اختيار بعض الأصوات وفق اعتبارات سياسية أو حزبية أو جهوية، بما جعل المشاركة الشبابية في أحيان كثيرة أقرب إلى التمثيل الشكلي منها إلى الشراكة الحقيقية.
وهنا تكمن خطورة تكرار التجربة.
فالحوار السوداني–السوداني المقبل لا يحتمل أن يكون نسخة أخرى من حوارات النخب المغلقة، ولا ينبغي أن يتحول إلى مساحة لإعادة إنتاج الاصطفافات القديمة، أو إلى حوار فنادق بعيد عن الشارع ومعاناة المواطن.
الشباب يريدون أن يكونوا جزءاً من الحوار، لكن ليس باعتبارهم وقوداً انتخابياً، ولا جسراً تعبر عليه النخب نحو السلطة والثروة، وإنما باعتبارهم شركاء حقيقيين في رسم مستقبل بلدهم.
وقد أصاب الباحث بمركز دراسات وأبحاث القرن الإفريقي وأستاذ جامعة شندي، د. أونسة محمد عبدالله أونسة، عندما دعا إلى تجاوز التمثيل الشكلي للشباب، والنزول من القاعات المغلقة إلى الشارع، حتى يصبح الحوار جزءاً من عملية التعافي الاجتماعي، وليس مجرد لقاءات بين النخب.
والأهم من ذلك أن تكون مشاركة الشباب سودانية بكل تنوعها.
فالسودان ليس الخرطوم وحدها، والشباب السوداني ليس كتلة سياسية واحدة. هناك شباب الشرق، والشمال، والوسط، ودارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، والخرطوم، وشباب المدن والريف، والنازحون، والطلاب، والمهنيون، ورواد الأعمال، والعاملون في المبادرات المجتمعية والإنسانية.
كل هؤلاء يجب أن يجدوا مكاناً على طاولة الحوار.
وإذا كان الحوار السوداني–السوداني يريد أن يعالج جذور الأزمة، فعليه أن يستمع إلى الأجيال التي عاشت نتائجها، لا إلى السياسيين وحدهم الذين ظلوا يتحدثون باسمها.
ومن هنا تأتي أهمية ما طرحه د. عبدالعزيز دفع الله بشأن الجذور التاريخية للأزمة السودانية، وتجارب الحوارات الوطنية السابقة، وما أفرزته السياسات المتعاقبة من أزمات في الجنوب ودارفور وكردفان والشرق.
فالدرس الأهم من تاريخ السودان هو أن تجاهل التنوع لا يلغي المشكلة، وإنما يؤجل انفجارها.
أما الأمين العام لمركز دراسات وأبحاث القرن الإفريقي، د. فاطمة العاقب، فقد وضعت يدها على جوهر المسألة عندما أكدت أن الشباب يمثلون قوة أساسية لصناعة السلام وصياغة الأفكار والمشاركة في اتخاذ القرار.
وهذا تحديداً ما ينبغي أن يتحول من خطاب إلى ممارسة.
المطلوب ليس فقط أن ندعو الشباب إلى الحوار، وإنما أن نمنحهم مساحة حقيقية للتعبير، وأن نستمع إلى رؤاهم، وأن نأخذ مقترحاتهم بجدية، وأن نضمن تمثيلهم بعيداً عن المحاصصة والاستقطاب.
فالسلام لا يصنعه السياسيون وحدهم، كما أن الدولة لا تُبنى بالاتفاقيات وحدها.
الدولة تُبنى عندما يشعر المواطن، وخاصة الشاب، أن له مكاناً في وطنه، وأن صوته مسموع، وأن مستقبله لا يُقرر نيابة عنه في غرف مغلقة.
ولذلك فإن نجاح الحوار السوداني–السوداني لن يقاس بعدد المؤتمرات أو البيانات الختامية، وإنما بقدرته على توسيع دائرة المشاركة، وكسر احتكار النخب للحوار، وإشراك الأقاليم والمجتمعات والشباب والنساء في صناعة الحل.
ولعل أهم رسالة يمكن أن تخرج بها هذه الورشة هي أن الشباب السوداني لا ينبغي أن يكونوا مجرد متلقين لنتائج الحوار.
لقد كانوا وقوداً للأحداث، ومن حقهم أن يكونوا شركاء في صناعة المستقبل.
وإذا كان السودان يستعد لفتح صفحة جديدة، فإن هذه الصفحة يجب أن تُكتب بأيدي جميع السودانيين، وفي مقدمتهم الشباب.
فلا حوار سوداني–سوداني حقيقياً من دون الشباب، ولا سلام مستداماً إذا ظل الجيل الذي سيدفع ثمن المستقبل غائباً عن صناعة القرار.